منتديات بيرسفي
تشرêو انأèن 21, 2017, 05:38:21 *
أهلا, زائر. الرجاء الدخول أو التسجيل

تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و مدة الجلسة
أخبار:
 
   بداية   تعليمات بحث دخول تسجيل  
صفحات: [1]
  طباعة  
الكاتب موضوع: مجموعة مقالات /سهى بطرس قوجا  (شوهد 2113 مرات)
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« في: أêار 02, 2015, 04:09:02 »


 الانكسار المشوّه /سهى بطرس قوجا


نظرت بتأمل إلى الشجرة وهي ممدودة بأذرعها المُتفرعة في فضاء الحياة، ونظرت بتأمل أكثر إلى أعاليها وكيف تهلهل فرحًا من مُعانقة الهواء لوريقاتها، لتعزف سمفونية لا يستطيع أعظم عازف أن يُؤلفها ولا أي أذن كانت أن تسمعها وتُميز لحنهَّا. أنهُ صوت الحياة القادم من الطبيعة ليثبت ويُعلم أن الحياة لحنًا جميلاً ونادر وليس كل من سمعهُ عرف لغتهِ ونطق بها.
 ثم نظرت لأسفلها لأتأمل في مستعمرات النمل وهي تدخل قُراهّا في جذور الشجرة ذاتها لتحتمي فيهِ وتخزن طعامها، فأدركت أن الحياة تُعطي وتهبّ الكثير وتساعد، لا تترك حال على حال، حياة تُعطي الحياة لكل ما عليها، أنها دورة الاستمرارية والتواصل الواحد من خلال الآخر لإدامتها.  
الحياة هذه الكلمة التي تحمل كل عظمةٍ، جميلة بكل ما فيها حينما ننظر إليها بعين الجمال، هكذا أراها عندما أجلس بوحدتي وهدوئي وأتأمل بطبيعتها الخلابة، ولكن الإنسان الذي يسكنها، أحيانًا كثيرة يُعطي لنفسهِ حرية التشويه للكثير والكثير اللامُبرر لهُ! ربما قد تكون ظروف تضطرهُ لتغيير مسلك حياتهِ، وربما اللاوعي يلعب دورهُ في حياتهِ وربما المصلحة هي من تغلب وتعبرّ، ولكن هذا ليس مُبرر للاستمرارية فيها ومُمارستها والانخراط فيها بعمق لتتجاوز حدود الأذية، لكل شيءٍ نهاية وحدود لابدّ من أن ترسم في طريقها للحدِّ منها. لكل شيءٍ حاجز لابدّ من الوقوف عندهُ، وإن كنت أنا أو أنتَ تعدينا ذلك الحاجز عندما لا ينفع فيهِ العبور والتخطيّ، عندها نكون قد جنينا على الكثير وأحدثنا شرخ من الصعب أن يلتئم حتى وأن أجمع العالم على ترميمهِ!
فكم مِن إنسان انكسرت نفسهُ بسبب جبروت إنسان آخر، وكم من حياة كُممتْ وغدتْ بلا روحًا، وكم من عينًا بقيت على أهبّة الاستعداد من الهجوم المُحتمل من كل ما هو مُخوف، وكم من توسلات أطلقت من أفواه تطلب الرحمة، وكم مِن روحًا رفرفتْ مفارقة! أنهُ الإنسان الذي يتلاعب بإنسان آخر ويجعلهُ يرى بعين الذباب كم هي الحياة ضيقة وخانقة! نعم، كثيرون هذه هي لعبتهم وهوايتهم، عيش حياتهم على أنقاض حياة وهدمها ورؤيتها مُجرد أكوام فحمية. يتلذذون برؤية الذبول والتشويه ولكنهم لا يدركون أنهم هم فقط الخاسرون وذاتهم داخل أجسادهم مُتناثرة ولا يستطيعون ترميمها سوى برؤية آخرين وهم يتساقطون أمامهم كحبات اللؤلؤ على الأرض كل واحدة في اتجاه! هؤلاء هم كارهين لذواتهم ويعيشون الحياة بسطحية وعبثية، لذلك تجدّ أجسادهم مُجرد هياكل فارغة، مُجرد قبور مُعتمة، مُجرد لمحهّم بطرفة عينًا، تُثير في داخلك الخوف والشعور بالقلق والاشمئزاز من فعلهم ومن مسكنهم!
أمثال هؤلاء لا يعيشون الحياة بل هم في خصومة معها ومع نفسهم ويحقدون عليها، ينظرون للإنسان مثيلهم كنظرتهم لأنفسهم الخانقة، ولذلك هم يسيرون عكس تيار الحياة ولا يقبلون بغير تناقضاتها كنوع من العّداء والتحّدي والتعندُّ، أمثال هؤلاء يستأنسّون لما يُلبس الأجساد! أمثال هؤلاء يقولون لكل شيءٍ في الحياة بالسلامة حتى وإن كانوا غير مُغادرين، هروبًا من سلاسل تكاد تضيق عليهم رويدًا رويدًا. أمثال هؤلاء منثورين في جميع بقاع العالم ويطوفون أرجائها كما يطوف الغيم السماء، وما الغيرة والحسد الذي يتولد عند البعض، والحروب التي تُشن ويظهر فيها هكذا نوع من البشر مُعادي لكل شخصية ناجحة ولكل عقلية نابغّة ويحاولون بشتىّ الطرق التخلص منها واغتيالها وتمزيقها، ألا دليل على خوفهم منهم وضعفهم أمامهم، لذلك يحاولون شتى الوسائل وضعهم في خانة مُظلمة لكي لا يشعّ نور الحقيقة من خلالهم ويُفشلون مآربهم.  
الحياة تحتاج إلى فهم والإنسان بحاجة إلى اهتمام أكثر من قبل نفسه أولا، لذلك كنْ على يقين أن لم تدرك الحياة قبل أن يُدركك القدر مهما اختلف وقعهِ، فلا تتفاجأ كثيرًا وتوقع كل شيءٍ، هكذا هي الحياة سلف ودينّ، والخطوة التي تقودك للأمام مُجبرة أو راضخة أو مسلوبة من قبلك أنتَ وفي غياب وعيَّك وإدراكك، تأكد أنها ستُرجعك عشرات الخطوات إلى الخلف في دهاليز مُعتمة!
أن لم تُدرك أنتَ بنفسك وقناعتك بصحة الشيء، فلن تستطيع أن تعيش في سلام داخلي ولن تستطيع أن تتواصل بإنسانيتك. فكُنْ كالغيم عابرٌّ ولكن يُظلل ويُمطر على ذرات التراب التي تحتهُ والمُتعطشة إليهِ، يسقط عليها ويرويها حتى يُعطي حياة لكل ما يسكنُها، ويُلبسها الأخضر الذي يُحييّ في النفوس الأمل والتفاؤل والتأمل في البعيد لكل قديم وذابل، وأعلم أن الحياة صور مُختلفة، فأختر صورتك بحيث يكون لها مغزىّ عميق وألوان تدوم طويلاً مهما مرَّ عليها ... فالحياة من صنعك.
« آخر تحرير: أêار 02, 2015, 04:12:20 بواسطة bersiveyaus » سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #1 في: أêار 02, 2015, 04:11:07 »

لكل نهاية بداية

سهى بطرس قوجا
في نهاية كل عام وقبل أن نودعه لنستقبل الجديد ( 2015 )، لنا وقفة قصيرة مع قراء هذه السطور المتواضعة الكرام، نذكرهم بأن الأعوام تمضي وهي مثقلة ومحملة بكل ما مرّ عليها من أشخاص كانوا فيها ورحلوا عنها قبل أن تنتهي وأستقبلت آخرين سيعطون للحياة رونقها بأسلوبهم الخاص، وأحداث برزت وتركت بصمتها وفعلتها باختلافها! هي حياة ماضية وهي أعوام تتسابق لكي ترحل بما أخذت وأعطت بنسب متفاوتة، تاركة الإنسان في الدنيا يستقي من كل شيءٍ وليس لهُ غير أن يتقبل ويقبل بما كتب له وقُسم.
كل الأشياء في الحياة بصورة عامة تبتدئ وتنتهي وهي تاركة فيما بينها فسحة كبيرة شاهدة على كل ما مرّ عليها وبقي فيها! ومثلما لكل حياة بداية ونهاية، ولكل زهرة ظهور وذبول، فأن لكل قصة إنسان يكون بطلها، يؤدي أدوارها ويمارس أحداثها ويخرج بنتيجة منها. لذا يطيب لنا في كل عام وقبل أن تقترب نهايته، أن تكون لنا وقفة على إطلاله، فيها من التأمل الكثير والكثير بما تحتويه. لنا وقفة على عتبات نهاية عام لكي نودعه ونتذكر معه كل ما كان فيه ومن كان، لأخذ العبرة والعظة للقادم ولتقويم ما يحتاج إلى إصلاح.
كثير من الناس يعملون حساب لكل ما في الحياة وهذا الصائب ولكن ليس المبالغة فيه! كثيرون يخافون مما ليس له أساس في الواقع أو بالأحرى الغير موجود! يصنعون أسبابه ويعيشون نتائجه ... أنهم يستهلكون أنفسهم ويميتون أرواحهم في سبيل إرضاء ما يخطر على المخيلة والقادم من تخمينات موجودة فقط في جعبة من يريد أن تكون حياته مجرد صورة باهتة. الحياة نعم لا تخلو ولكن لا يجوز أن نتعامل معها بأسلوب أن لم نغلبها غلبتنا وأدمتنا! لا يجوز عيش التباين الموجود بين مختلف فئات البشر ولكن بالمستطاع عيش التقارب إلى أقصى حدّ ممكن من أجل حياة بسيطة وفيها معنى أجمل.
الحياة ليست بتلك القوة والقساوة ولكن الإنسان حينما يقسى على نفسه يجعلها قاسية وصعبة المزاج والمراس، ومن ثم يراها وكأنها طوفان وأصابه! يعاملها بمزاجية متقلبة ويعاندها ويخاصمها ويعيش التحرر الأعمى منها، بمعنى يريد منها ما ليس منها، بل ما هو صانع فيها حينما يعيش الرغبات والتقلبات!
ونعلم بأن الحياة فيها الكثير وهذا بدوره يحمل الأكثر والذي بنفس الوقت يحمل السلبي والإيجابي من الإنسان ذاته، لكن هي لم تخلق بصورة مشوهة وقبيحة ولكن فعل الإنسان بأختلافه هو من يجعل الحياة تبدو كذلك في عين كل قاطنها. هو من يخلق المشكلة وهو من بيده من يجعلها لا تكون، حينما يقلص من حجمها ولا يجعلها تأخذ مداها في حياته وتؤثر على من يحيطه. الحياة باقية وتنتظر من الإنسان الكثير لكي يبقيها بنفس درجة نقائها وجمالها التي خلقت منه، عليه أن يحافظ على روحيتها لكي تبقى نابضة ويشعر هو بطعمها وبقيمتها وبقيمته ودوره المكمل لها.
كل شيء في هذا الكون له حقه وبعده ويجب أن نحافظ عليه. هنالك شيءٍ اسمه تكامل وتجديد لابد من تطبيقهما وليس فقط ترديدهما! تجديد للحياة من خلال تجديد الذات ومحاولة صقلها قدر المستطاع بدون انقسام وإزدواجية وفرض وتفضيل. كما للإنسان روحًا كذلك للحياة روحًا لا تحيا بدونه، وهذه هي رسالتنا نحن البشر في الحياة، أن نحافظ على روح الحياة ونتجاوز كل ما يبقي ذواتنا تحتار في زحمتها. حينما نعطي لكل شيء بساطته حتى وإن كان فيه صعوبة، فإننا بهذا نعطيه الفرصة في النصر عليه وجعله يكون في قبضة اليد فينفعنا ويفيدنا. ففي الإنسان قوة جبارة في تخطي كل ما يعترضه ولكن غالبا لا يعرف كيف يستغلها أو كيف يخرجها من أعماقه. 
دائما أقول أن للحياة لحنًا رقيقًا ليس كل أذنًا تعرف أن تميزه ... أليس كذلك؟! أحيانا كثيرة يدرك الإنسان كم هو بحاجة إلى أن يستمع لصوت الحياة ويعيش لحظات مع ذاته ويستمع لها بعيدًا عن ضجيجها وعن كل ما هو شارد فيها. وجميعنا مطلوب منا أن نفهم أنفسنا لكي نحبها ونفهم الحياة ونحبها في كل وقتًا.
أكتب لحياتك قصة جميلة فيها لحنًا فريد خارجًا من أعماقها وله صداه. أجعل نفسك لا تُصارع أي رغبات أو أفكار شريرة بل حاول دوما أن تعيش الاشتياق لها لكي تكون أقرب منها وتحاول أن تكون فيها. حاول أن تتواصل معها لتذوق السلام الداخلي وتعيش الأمان. وكن على يقين بأن كل يوم لهُ تدبيره وكل ساعة لها دقائقها ولحظاتها. أشعر بروعة الحياة وفكر بعمق ذاتك، فهي من تجعلك إنسانًا يعرف ويحس بقدره. 
.... كل عام وأنتم بخير وسلام وسنة مباركة للجميع ....


سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #2 في: أêار 02, 2015, 04:13:58 »

مذكرات فتاة الجيشا
Memoirs of a Geisha


سهى بطرس قوجا
قرائنا الأعزاء سنأخذكم في رحلة معنا عبرّ الزمن، سنأخذكم من عالمكم إلى عالم آخر، البعض نقدهُ والبعض الآخر أعطى انطباعهِ الخاص عنهُ والبعض الآخر حجمهُ بأكبر من حجمهِ، أي بمعنى أضفى صورة قاتمة بعض الشيء على نساء مُجتمعهِ، أنهُ " عالم الجيشا "، عالم لهُ مراسيمهُ وطقوسهُ الخاصة.
تعود جذور الجيشا للعصور الوسطى من تاريخ اليابان، حيث تولى البعض من الرجال ( أوتوكو نو غيشا) مهمة الترفيه عن طبقة التجار والسياسيين والساموراي. وبمرور الوقت وفي بداية القرن السابع عشر عهد بها للسيدات، حيث كنْ يتجمعنْ في منازل خاصة تدعى (أوكييا) تشرف عليهنْ سيدة مُتقدمة في العمر يُطلق عليها (اوكاسان) أي الأم. كانت تأتي إليهِ الفتيات الشابات أما بإرادتهنْ بحثًا عن المال، أو يتم بيعهنْ من قبل أولياء أمورهم لهذه الدور!
فيهِ الفتيات يتدربنْ لسنوات مُتواصلة على فنون عزف الآلات الموسيقية التقليدية اليابانية والرقص والغناء وفن إدارة الحديث وتقديم الطعام والشاي في بيوت الشاي، مع تعلم كيفية تحية الناس بانحناءات مُهذبةٍ وبلكنةٍ هادئةٍ. مما يجعلهنْ يتمتعنْ بدرجة لا بأس بها من التعليم والثقافة والاطلاع، تتيح لهنْ بعد ذلك فتح حوار راقيّ يبعث الراحة في نفوس الزبائن الهاربين من متاعب وهموم العمل والبيت، بشرط دون المساس بهما وبسمعتهما وألا يسقط عنهم لقب الجيشا! إضافة إلى تعلمهنْ طرق اختيار ملابسهنْ والاعتناء بجمالهنْ بطريقة تجعلهنْ مميزات. وإذا أرادت فتاة الجيشا الزواج فأنها تترك العمل كجيشا، كما ولا يمكنها أن تتخذ حبيبًا لها، لأن هذا يسيء إلى عملها ويجعل الزبائن ينفرون منها. أي بمعنى أن دور فتاة الجيشا ينحصر فقط في الترفيه عن الرجال عن طريق المحادثة وأداء بعض الفنون المذكورة.   
وقد كتبت بعض القصص عن فتيات الجيشا، كما تم عمل فلم سينمائي ضخم عنهم ولاقىّ مُعارضة شديدة ونقد! منها الرواية العالمية للروائي الأمريكي الكبير (أرثر غولدين Arthur Golden) بعنوان " مذكرات فتاة الجيشا"، والتي حققتْ أرقامًا قياسية بتوزيعها البالغ أكثر من أربعة ملايين نسخة باللغة الانكليزية وبعائد وصل لأكثر من 10 ملايين دولار، وظلت الأكثر مبيعًا على لائحة نيويورك تايمز حوالي سنتين! وفي ذات الوقت حملت الكثير من النقد من المجتمع الياباني لطريقة تصوير الكاتب لفتيات الجيشا باعتبارهم كنز عظيم لتراث عريق.
غولدن درس أصول الفن الياباني وهذا الأمر انعكس بشكل بارعًا في روايتهِ وتوغلهُ في عالم الجيشا. الرواية كما وضحنا تدور أحداثها حول عالم الجيشا وأسراره الخفية بفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. وهذه قراءة مُبسطة في الرواية التي أطلعت عليها وأعجبتني أحداثها المشوقة.
آرثر غولدين كتب روايتهِ بحبكة مشوقة وأحداث مُسترسلة وبإحساس يعطي للقارئ بصيرة عميقة ومعاشة لواقع فتيات الجيشا. رسم شخصيات روايتهِ بحضور متساوي من حيث قوة تأثيرها على مُجريات الأحداث والسردّ. كما واعتمد على وصف شيق ودقيق للأحداث ووصف فتاة الجيشا الأنثى، من حيث اللباس الذي ترتديه، بحيث تُظهر للقارئ أن الكاتب مولع بهذا الفن، فيصف القماش والألوان التي تميزت بها  والرسومات التي عليه، كما يتوغل في تفاصيل وجه الفتاة وطريقة طلاءه من الأبيض الذي عليه والشفاه والعينين، وكأنهُ يصف لوحة فنية تضج بالحياة والحيوية والجمال.   
مذكرات فتاة الجيشا رواية تتحدث عن حضارة بلد، عن فتيات، عن البحث عن الحياة، عن الأحلام، عن الألم والطموح. رواية تحمل التراث مع جراءة فتاة في مضمون عميق وهادف في سبيل حياة تسعى إليها. رواية يحكي فيها آرثر غولدين عن حسناء يابانية فقيرة بعينين رماديتين ساحرة وصغيرة في عمر الزهور، تروي أسرار مهنة الجيشا وتجاربها في الحب مع الرجال، فتاة نشأت على تقاليد فتيات الجيشا وتعلمت فن إسعاد الرجال ببراعة. والداها نظرا لظروف الفقر القاهر التي كان يعيشانها وفقدانهم لوالدتهم المبكر، باعها لأحد الرجال وهي صغيرة وهو بدورهِ باعها لأحد بيوت تربية الجيشاوات!
عملتْ بطلة الرواية في أحد منازل الجيشا في طوكيو وعرفتْ الكثير من الرجال هناك. تميزت بجمال خاص نسبة إلى فتيات مجتمعها، كما وتميزت بقدرة وذكاء في إدارة الحديث مع الرجال في شتىّ الموضوعات وبنفس درجة التركيز ولساعات متواصلة، إضافة الى كونها تجيد الرقص والعزف ومُتذوقة للفن بشكل بارع.
ولكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، الفتاة كان لها مُنافسيها في الأوكييا، مما دفعها في التفكير والتخطيط للهروب والبحث عن حياة حرة والمزيد من المال! وفعلا سافرت إلى أحدى الجزر الأمريكية على ظهر سفينة متخفية بلباس غلام! وهناك كذلك بدأت رحلتها مع رجال آخرين وكانت مرغوبة، ورغم تجاربها الكثيرة، لكنها لم تستطع أن تدرك عقلية الرجل الأبيض وأساليبهِ في الحب والغزل، فتعرضت للكثير من العقبات والتناقضات في حياتها! ثم تتعرف على شاب وبعد لقاءات وصراعات بينهما يلتقيان ثم يفترقان وفي النهاية يلتم شملهما كلاهما ويعيشان حياتهما معًا.
أنها بحق رواية جميلة ومثيرة بكل ما فيها تستحق القراءة ومن عنوانها تجذب القارئ إلى حياة وتراث إنسان وحضارة. وحاليًا لم تعد فتيات اليابان ينضمون بشكل كبير إلى الجيشا مثل السابق، ولم تعّد بيوت الشاي تحظى بذاك الإقبال الذي كان عليه في الماضي، كونه أصبح مقتصرا على عدد ضئيل من الزبائن، مما جعل فتيات الجيشا يستخدمن الانترنيت لجمع المعلومات في مُحاولة لمُواكبة تطور العصر واستمرارية مهنة يتهددها الانقراض، ألا وهي مهنة "فتيات الجيشا".
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #3 في: أêار 02, 2015, 04:15:27 »


باب الخصوصية


سهى بطرس قوجا
هيكل الإنسان عبارة عن صندوق مغلق يُرمى فيه ما يُرمى، ويُرمى منه ما يُرمى من خلال الإنسان ذاته، لا يجوز لغيره أن يمليّ عليه رغباته أو يفرض عليه ما لا يريد، كما لا يجوز تخطي الخط الأحمر الموجود في حياة الموجود مهما كانت درجة التجاوز مسموحة. ولكن في مجتمعنا الذي فيه الكثير من اللامبالاة والتناقضات نجد هذا مسموح وبشدة عند البعض الذين يتقربون من باب لا يخصهم ويدخلون ويتدخلون فيما لا يعنيهم ويبحثون عن ما لا صلة لهم به، فقط من أجل إرضاء ما في نفوسهم المقلق تجاه مشاكل البشر التي هي أساسًا آتية من خلال هكذا ممارسات!
التدخل في شؤون الغير والنبش في الخصوصيات يعتبر دواء لهكذا نفوس ضعيفة وجائعة، لا تشبع ألا حينما تقتات على معرفة ما تحمل حياة الآخرين من أحداث ومستجدات وخصوصًا السلبية، من أجل البحث عنها وفيها وتوسيعها وإعطاء حجم ووزن أكبر لها وانتظار النتيجة من أجل البدء بجديد أخر هادم!
هكذا هو مجتمعنا لا يراعي خصوصية الغير ولا يحترمها، دائما هو من الساعين خلف تفاصيل هالكة، مضيعًا وقته وجهده الفكري والذهني وأجمل لحظاته في الفضول الذي يمارسه على غيره، وكأنه لا يوجد في الحياة أشياء تلهيه غير هذه الأمور التي تنمّ عن التفكير المتذبذب والعقلية المتأرجحة!
ـــ لا نعرف ماذا يستفيد من يدخل نفسه في دوامة القيل والقال وسباق نقل الأخبار؟!
ـــ لا نفهم لماذا الإنسان غالبًا يحاول أن يصنع طريقا مخالفًا لكل الطرق الطبيعية؟!
ـــ لا نعلم متى يتعلم الإنسان الأتعاظ واحترام ذاته؟!
 محير هو الإنسان حينما لا يدرك كيف يواجه ذاته، ويكون محير أكثر حينما لا يأخذ احتياطه من نتيجة سلوكه؟!
يبقى كل واحد كما هو في مكانه لا يتغير ما لم يكن هنالك تغيير من الداخل وقبول الواقع على حقيقته والإنسان على طبيعته. كثيرين يتركون حياتهم ومسؤولياتهم من أجل البحث عن خصوصيات الغير التي لا تخصهم! وأكيد من يمارس هذه العادة السيئة، هو في غير وعيه وشعوره وغير مهتم بما سيطاله، لأن من يحافظ على صورة حياته من دون أن يمسها أي خدش أو تشويه، من المستحيل أن يرضى لغيره بذلك ألا من كان عكس هذا النموذج الذي يعاني منه الناس ولا يعرفون التصرف حياله. أمثال هؤلاء يعطون الحق لأنفسهم في ترصد الآخرين والتدخل في خصوصياتهم والطرق على بابها دون أدنى مسؤولية!
والأغرب في الموضوع من يتقرب ويفعل ذلك بحكم الصداقة أو القرابة والجيرة! يأخذون من هنا وينقلون لهؤلاء وينثرون الحكايات ويؤلفون القصص ويبدعون في إخراج فلم سينمائي أو مسلسل بحلقات متتابعة وحتى أغنية تتردد في الأفواه! غير مكترثين بمعاناة الغير وموقفهم الحرج من الإساءة التي تلحقهم بسبب اقحام هؤلاء أنفسهم في حياتهم الخاصة.
أمثال هؤلاء يخلقون حالة من الملل في الوسط الذي يتواجدون فيه، وحالة من التذمر منهم من قبل آخرين لا يستسيغون هذه العادات المروج لها. كثيرين لا يحبذون هذه السلوكيات التفكيكية، ويأملون في مجتمع سليم ذو فكر نير وواعي أكثر يهتم بما يرتقي بالإنسان ويحترمه. نعلم أن الكلام المنقول لا يأتي بأي نتيجة مُرضية ولكن مع ذلك يعمل له حساب وخصوصًا إذا كان الحديث يمس المرأة في منزلها، عملها، محيطها.
القليل يضيع ويشوه الكثير ... كثير من المعاني الجميلة تضيع من الحياة بسبب هكذا تصرفات لا عقلانية وغير موزونة من قبل البعض ممن يعيشون الحياة بسطحية وغير استيعاب لكل ما يحتويها وبدون تقدير لأنفسهم وللآخر. ومن أجل تفكيك جميع هذه العادات المتشعبة في النفوس لابد أولا إصلاح ما في أعماق كل فرد وترميمه بين الحين والأخر، كون من الداخل تنبع هذه الأمور الغير مستحبة والغير مقبولة، وحينما تجد لها قبولا من قبل الفرد فهذا يعطي المجال لأن توسع رقعة وجودها المؤذي .... ونأمل بعكس ذلك!


سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #4 في: أêار 02, 2015, 04:17:21 »


نبض الحياة

سهى بطرس قوجا
الحياة عندما تسعى فيها فلابدّ من أن يكون سعّيك من أجل كل ما موجود فيها دون استثناء، سعيًا حثيثًا بحيث عندما تجتاز بقدمك سلمها أن تكون واثق من أنك كنت عليها الواحدة تلوّ الأخرى ولم تقفز إحداها مُتجاهلا .
وما لابد من إدراكهُ كذلك هو إن هذه الحياة أقصر بكثير مما تتصور، هي ليست بعدد سنينها وإنما باللحظات التي تقضيها فيها مُرتاحًا نفسيًا وضميريًا وفكريًا وإنسانيًا، وهذه تكون عندما تعيش حياتك بما يرضيها ويرضي كل موجود فيها وبما يستحقهُ ، وأحدى هذه الموجودات هي المرأة، روح هذا الوجود بكل ما فيهِ.
هي هديةٌ هُديت للحياة لتكون بها وتدوم، أنها الكائن الذي يستحق كل ما فيها، لأنها هي الحياة بذاتها وهي شريانها النابض والمُتدفق الباقي مدى بقاءها، هي الكون في المكنون وهي الروح للحياة وهي من تمدّ الحياة بالحياة. هي من تعطي للوجود معناه مُكملة لوحتهِ بألوانها. هي بالوصف التقريبي تلك اللوحة البراقة بألوانها التي تجذب الناظر إليها، ينظر فيها ويتعمق في مكنونها، أنها تلك الزهرة الجميلة في حديقة الحياة: بهية في منظرها، تعطي جمالية لمْا حولها، وتعطر الأجواء بأريجها، أنها تبقى أنفاس الحياة ..
فتحية إكبار وتقدير واحترام لهذا الكيان المضحي  في يومها العالمي في الثامن من آذار، هذا الشهر بربيعه ودفئهِ ورونقهِ، شهر الخير والعطاء،  وللمرأة العراقية بشكل خاص أسمىّ وأرق التحايا وأعذب آيات المحبة تقديسًا واعترافًا لها بكفاحها وتضحياتها وصمودها وهي تتصدّى بكل فخر لكل التحديات وترسخ كيانها ووجودها بكل ثقة.
فهي تبقى روح وقلب المجتمع النابض، وتبقى اليدّ المُكملة ليد الرجل في مسيرتهِ الدائمة، لأنها كانت وما تزال تثبت حضورها بكل فخر واقتدار، فهي مهما قلنا تبقى أسمىّ من كل بلاغات الأقوال والأمثال كونها نبض الحياة.
أنها تبقى شامخة ورائدة وثقتها بنفسها قوية وستنجح في أن تصبح نجمة في السماء يسطع نورها للبشرية، عندما هذا الرجل وهذا المجتمع وهذه المرأة نفسها (بدون تعميم) يخلقون نوع من الثقافة والوعي والتكافؤ الفكري والتكامل مع هذا المخلوق وحقوقه، ثقافة مُتحضرة ومُساعدة تؤدي دورها وفعاليتها بشكل إيجابي على كافة أصعدة الحياة، وبالتالي تخلق وعي وثقافة يتربى ويتبناها الأجيال المقبلة.
وأقول للمرأة: الحياة لا تدوم بين البشرية بدون محبة، كذلك الحياة لا تدوم ألا بكِ، أنتِ قبل كل شيءٍ أنثى مصدر الحبّ والحنان، وأنتِ بانية الإنسان والأوطان وأنتِ كل ما في الحياة من تفاصيل.
أنتِ حاضنة الإنسانية.
أنتِ تلك النخلة الشامخة التي ترفع رأسها بكبرياء في سماء العراق.
أنتِ عزّ العراق الشامخ وخيرهِ الدائم.
أنتِ ذلك اللحن وتلك المعزوفة الخالدة التي تعزف على أوتار الحياة.   
تهنئتي للمرأة بمُختلف مُسمياتها في يوم عيدها الذي تستحقه بفخر، وأقول تعلمي أن تكوني مثل الوردة: ناعمة مثل أوراقها، صلبة مثل جذورها، خشنة كساقها وطيبة مثل عطرها.



سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #5 في: أêار 02, 2015, 04:19:14 »


سبايا وجهلاء

سهى بطرس قوجا
من يقول بأن عصور الجهل والتخلف قد انتهت، ومن يقول أن كل إنسان قد واكب عصره؟! حسب ما نرى ونسمع اليوم من أحداث ووقائع وممارسات تنتقص من عمر الإنسانية، نقول أن العصور التي كان الجهل والظلم متفشي فيها لم تنتهي بعد، بل ما زال يمارس ما كان فيها على نطاق مسموح فيه من قبل من يبيحون بذلك حسب ما تمليه عليهم عقلياتهم الصغيرة المسيرة من قبل آخرين ساعين لغايات كبيرة! نعم .. ليست كل الأشياء تنتهي أو تتوقف هنالك دوما إعادة تأهيل وتصنيع لها في زمنًا لا تنفع أن تكون فيه، ولكنها تكون بسبب إن البشر وليس الإنسان ما زال موجود ويعيد ما يمضي بعقليته التي لا تقبل التغيير والتجديد.
تماما مثلما يحدث عند تجميع البضائع المستهلكة من أجل إعادة تصنيعها والاستفادة منها، ولكن في الممارسات التي ذهبت في حال سبيلها، لا وجود لها في الوقت الحالي استفادة بل مضرة وكبيرة جدًا كما سنأتي في حديثنا والذي هو عن مختلف الممارسات المتبعة من قبل صناعة بشرية تمارس شذوذها تحت مسمى الحلال والحرام!
كثرت الأسباب وتعددت النتائج واختلف الإنسان! هذا ما يحدث اليوم من قبل البعض ممن لا يستحقون أن يذكرون، يمارسون جهلهم وعماء ضميرهم لينهون أشياء ويحييون أشياء ويلحقون بأخرى! يقتلون حسب مزاجهم ويسبون النساء حسب رغباتهم! لا يوجد قانون يسمح بذلك ولا يوجد قانون يردع أفعالهم، ولا يوجد دين يسمح بذلك! أي دينًا مهما كان لم يكن من أجل ظلم وتعبيد الناس وأجبارهم على الرضوخ له، بل كان قبل كل شيء ليكون قبول ومن أجل تحرير البشر من عبودية النفس ومن الظلام الساكنين فيه.
جميع الأديان كانت رسالة من أجل السلام وليس رسالة من أجل قطع الأعناق. سبي النساء، الرقّ، وادّ البنات، سوق النخاسة، واحدة مرتبطة بالأخرى وجميعها كانت ممارسات تمارس منذ عصور مضت على المرأة التي لا يحق لها أي حق ... وما تزال بنسب متفاوتة! المرأة في دول العالم باختلافها ما زالت تنظر إليها نظرة دونية تستصغر من شأنها وقيمتها وتعامل أسوء معاملة لا تليق بروح البشرية.
ومع أن جميع النساء في مختلف دول العالم ما زال لديهن هدف واحد قائم يجمعهن وهو الاعتراف بهن وبحقوقهن كإنسان له وجود في هذا الكون، لكن هذا الحق ما زال منتهك وبشدة في بعض الدول، وأحداث عصرنا خير شاهد، هي من تتحدث وهي من تبرهن إلى أي مدى وصلت دناءة النفوس.
أحداث هي نتيجة: تخطيط العقول المتحجرة .. تنفيذ عمليات الاعتقال والتعذيب .. مجتمع متطرف وشديد الانغلاق .. عبودية على مستويات مختلفة .. التحكم والإجبار والحرمان والتهديد .. استخدام القوة والإكراه بغرض الاستغلال .. جرائم منظمة .. التهجير والإتجار الممنوع .. تجنيد النساء في تنظيمات أرهابية .... وتختلف الاساليب المتبعة من أجل أهداف وصولية، ولكن تبقى جميعها تستقر في بُوتقة العبودية المعاصرة التي تقضي على ما تبقى من الحياة!   
العالم مع الأسف يقترب من نهاية متأزمة ومتشابكة يصعب إيجاد الحل لها! ما بين فترة وأخرى هنالك تنظيم أو مجموعة تظهر لتؤدي مهمتها بمشاهد مروعة، ثم تختفي لتظهر أخرى مكملة لها وبمشاهد محزنة ومبكية. كما هو التنظيم الأخير، والذي بصورته المرسومة مجرد لعبة مصنوعة من عقول مريضة، تحركه أيادي قوية من أجل سياسة جديدة ومصالح أكبر! هذا التنظيم يعيد أحياء فصل من فصول التاريخ طواه الزمان، أنه صانع للعنف وزارع للفتنة والفساد من خلال مختلف الممارسات الأرهابية التي يقوم بها ويؤديها على آخرين. 
الكيل قد فاض من هؤلاء! تجنيد الجهاديين لأرتكاب عمليات أرهابية، استغلاله للنساء وقتلهم وسبيهنْ ما هو ألا دليل على ضعفه وقلة عقله، يتاجر بالنساء وينادي بالجهاد من أجل دوافع وتكتيكات هو لا يفهمها! أنهم هم أنفسهم يعملون في دائرة ستضيق بهم وتنهيهم في يوما ما، ونتمنى أن يكون ذلك اليوم قريبا. كما نتمنى أن تكون هناك خطوات توضع في طريق هذه الأيديولوجية الخطيرة لكي لا تتكرر بأشكال أخرى مستقبلا، من أجل مجتمع حرّ وعقلية متحررة ومن أجل المحافظة على تلك القيم التي خصها الدين وينهي عنها.
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #6 في: أêار 02, 2015, 04:30:06 »


عندما نقتل الآخرين


سهى بطرس قوجا
كانت جالسة في ذاك الركن من الكافيتيريا، تمضي فيهِ وقت استراحتها من العمل ومن ثم تعود. جلست ثم أخذت ترتشف قهوتها وتقرأ في مجلتها بهدوء، وبالصدفة وقع نظرها على شابًا جالسًا على طاولة قريبة منها، ينظر ويتبسم، لمْ تعرهُ أي اهتمام واستمرت برشف قهوتها!
بعد دقائق معدودات نظرتْ لذاك الشاب، ورأتهُ ما زال ينظر إليها ويبتسم! فشعرتْ بإرتباك ونرفزة، قائلة مع نفسها:" ما هذه الوقاحة؟!" فأخذها الاندفاع ونهضت من مقعدها وذهبت إليهِ، مُلقية المجلة التي كانت تُطالعها بوجههِ، قائلة:" هذا جزاءك؟!"، وخرجت من الكافيتريا!
بعدها بلحظات جاء والد الشاب، مُعطيًا عصا أبنهِ بيدهِ، ليتحسس بها طريقهُ إلى الخارج! لقد كان كفيف البصرّ، لا يُبصر شيئا سوّى الظلام! مسكينًا هو، رغم ذلك تلقى صفعة من إمرأة بمجلتها!
هذا ما يحصل دائمًا نحكم على الأشياء من الظاهر، بدون التطرق إلى جوهرها ومضمونها، أي بمعنى نمارس السطحية في حياتنا على حساب حياة ناس آخرين بدون الغوص في الأعماق واكتشاف ما قد يفيد الحقيقة الخافية! صورة شاب يبتسم لفتاة أعطت للمجتمع انطباع بأنها مُعاكسة لا محالة، سواء للمُتلقي أو للشاهد! بمعنى سواء من مسهُ الموضوع أو من كان شاهدًا عليه. وفي الحالتين رسموا لتلك الحالة حقيقتها الزائفة بنسبة! فليس كل من ينظر لفتاة أو يبتسم نظن الظنون السلبية أكثر من الايجابية ونبني الافتراضات! لكن مع الأسف هذا واقع الكثير من المُجتمعات والأشخاص!
فكم وكم من ناس ظلمتْ بسبب الظنون، وكم من حياة توقفتْ وطواها الزمان بسبب الأفكار الشريرة التي تُدار في مُخيلة البعض، وكم من قصص وروايات حُيكتْ على أساس الظنون! مواقف تفهم على أساس خاطئ ويبنون عليها افتراضات ومُزايدات أخرى من عندهم! وباعتقادي كل هذا يأتي من تطبع الشخص بطباع بسبب ما يسمعهُ أو يراهُ في بيئتهِ المُعاشة ولابد من أن يفسر هذه الحالة على ذاك الأساس، وأيضا بسبب البعض من الأفكار المؤمنين بها والراسخة في عقولهم، ولكن هذا ليس عذراً لنمثلها على الآخرين. 
بشر لا يتعلمون أبدًا من خبرات وتجارب حياتهم وحياة غيرهم، وبشر لا يفكرون قبل أن يذمون وينقدون ويظلمون ويألمون غيرهم! تلك فتاة مُنعزلة بنفسها تتحدث في الهاتف؟! يا ترى من تُكلم، ولمْا هي واقفة بعيدة عن الجميع؟! ظنون مع أسئلة لا تنتهي! فقط يريدون قصص وحكايات يتكلمون فيها في المجالس. فتحاول أحداهم الذهاب إليها وسؤالها بإبتسامة ولطافة، رايتكِ تتحدثين في الهاتف، مع من كنتِ؟!
فضول زائد عن الحدّ، والفضول الأسوء حينما نعطي حرية لأنفسنْا بالتدخل في الحياة الشخصية للأفراد! ولكن تذكر المثل القائل:" من تدخل فيما لا يعنيه، لقيّ ما لا يرضيهِ"، ووقتها كيف سيكون منظرك وشعورك، عندما تتلقىّ ما لا يرضيك؟!     
سُأل أحدهم: هل لابدّ من ظن الخير بالآخرين دائما؟!
الخير في كل الأوقات لابد من التفكير به ومُمارستهِ في الحياة. لا يجوز أن نعمم حالة سلبية واحدة على حساب جماعة، كما لا يجوز أن نسيء الظن بالناس لمُجرد موقف أو كلام ونحللهُ على حسب نظرتنْا المُنفردة، بدون سماع الطرف الثاني، فظروف الحياة تحمل كل شيءٍ وأي شيءٍ. فلا يجوز أن نُجاري ونُحاور ونحوّر كل ما يقولوه الناس ويفعلونهُ، لأنهُ قد تحمل الصواب أو الضد! لذا لا يجوز أن نفسر الأشياء ونحصرها بزاوية رؤيتنا فقط!   
ونحن بدورنا نسأل: لمْا لا يكون المجتمع أكثر تحضرا ورقيًا، ويترك كل هذه العادات المُزعجة التي تعشش في أفكاره رغم كل ما وصل إليهِ الإنسان من ثقافة وانفتاح وتكنولوجيا، عادات تفرق أكثر مما تجمع؟! لمْا لا نحاول التعرف على ذواتنا، لمعرفة نقاط الضعف والقوة فيها، لنصلح ونُقوم ما يحتاج إلى تقويم؟! وتذكروا أنهُ بظنوننا السلبية تجاه الآخرين فأننا نقتلهم لا شعوريًا، وإذا مشينا مع التيار، فيجب أن ندفع الأحداث ولا نُعطيها الفرصة لتدفعنْا هي بمزاجها وحسب مُتقلباتها.
من كتاب / شذرات من الحياة / خريف 2012

 
 

سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #7 في: أêار 02, 2015, 04:31:42 »


اغتيال الطفولة

سهى بطرس قوجا
تختال الطفولة مرارًا وتكرارًا، مرة من قبل الأهل عندما يغضون النظر عن كل تصرف وسلوك غير سليم يتبادر من أطفالهم في غير محلهِ وأيضًا عندما يهملونهم ولا يحققون مطالبهم واحتياجاتهم وهذه الأخيرة بالتأكيد قد تكون لها أسبابها هي الأخرى. لا ننسىّ المجتمع هو الآخر الذي يتفنن في الأساليب الغير الصحيحة وترويج للمفاهيم المغلوطة للكثير من الحالات الحياتية. ومرة من العالم برمتهِ والحروب التي تقام على أرضهِ، حروب أقل ما نقول عنها أنها ضد الإنسانية بكل ما تحملهُ في جعبتها من قتل وتشريد وحرمان وتهجير وتصفيات. 
عندما نذكر كلمة طفل وطفولة يتبادر إلى ذهننا الصفاء والنقاء والبياض والبراءة والزهور وبراعم الأشجار والربيع، هؤلاء الأطفال هم زهور هذه الحياة وقلب هذه الإنسانية وهم نبض حياة هذه الحياة. لكن في بعض البلدان ما هم سوى مُغتالين، مُشردين، جائعين، مظلومين، مُحتاجين، محرومين، مُتألمين، يتيمين، ضائعين، مُستغلين، غير أمنين، عنيفين، مُنحرفين، هاربين، متسولين، هيكل تسكنهُ الظلمة والذهول والدهشة والرعب ... الخ، بصحيح العبارة هم أطفال فاقدين طفولتهم ولا قيمة لكيانهم الصغير ... كيف ولماذا؟!   
الحرب عندما تخوض في أي بلد، أكيد لا يضعون في الحسبان كل شيءٍ ومن ضمنهم الأطفال، هؤلاء إشراقه المستقبل إذا غابوا غاب الوطن معهم ويكون مظلمًا وناقصًا! الحروب ليست محصورة فقط في أصوات القنابل والمدافع والرصاص وليست فقط في أطلاق الصواريخ من الطائرات وليست فقط في القتل المباشر والتدمير، بل هنالك تأثيرات أخرى نلمسها حينما تهدأ ثورة الحرب قليلاً، أنها الشلل الداخلي الذي يصيب كل مرفق في الإنسان ومن ثم البلد، أنها الجانب الآخر من الحرب ذات التأثير النفسي المُدمر الذي يُحاصر الفرد في نفسهِ ويمنعهُ من الانطلاق، واصلاً إلى مختلف الفئات العمرية دون استثناء وتحديدًا الأطفال الذين لا حول ولا قوة ولا إرادة لهم، يتعرضون للكثير من الصدمات النفسية الناتجة من هذه الحرب التي إن أعطيناها وصف قريب لها، نقول هي تلك المعصرة التي تقطر نِقطة نقطة في انتظار مُمللّ لا نهاية لهُ!       
الحرب تحل وتنتهي نعم، ولكنها لا تمرّ وكأنها زوبعة صغيرة في فنجان بلْ هي عاصفة تقلع كل ما يكون أمامها! حرب حولها يُثار الكثير من التساؤلات والكثير من المخاوف من المجهول التي هي الأخرى لا تعلمهُ؟! يضعون خطط للحرب وتوقعات لا تصلها بنسبة، ومن جانب آخر لا يلاحظون انعكاساتها أو يضعونها في الحسبان استنادا إلى حروب شنت قبلها. ما ذنب البراءة التي لا تملك صوتها ولا حياتها، فقط لها من الحياة بكائها وخوفها وفزعها وهروبها إلى حضن الوالدين، فكيف بالحروب وما تعجُّ به؟! وكيف بالطفل إذا خاف إلى من يلجأ إذا كانت الحرب قد خطفت الأب والأم ودمرت المنزل؟! شعورهم هذا لم يجربوه ولم يشعروا به لذلك لا يضعون في الحسبان كل هذه الأمور عندما يعلنون حربهم، وكل ما يكون حاضر في ذهنهم لحظتها هو كيف يبدؤن الهجوم وأي توقيت يكون مناسب لهم هم. وأكثر ما يهمهم هو تحقيق إستراتيجيتهم السياسية المنتهجة؟!     
الحرب فعلا طاحنة تطحن كل شيءٍ ومعهم البشر، حرب شريرة كذاك الوحش الذي يحمل في أحشائهِ الموت والقتل والمعاناة وإراقة الدماء ومختلف الأفعال البشعة التي تكون كقبضة اليدّ مُجتمعة تضرب وتخنق النفوس البريئة! عندما يقتل طفل في الشارع برصاص جندي أو يهدم المنزل عليهم وهم في داخلهِ، أو ملجأ بالكامل بما فيه يُدمر من نساء وأطفال رضع وشيوخ، فالطفل الناجيّ من بينهم مثلاً والذي أطلع بعينهِ وشاهد ذلك الموت الحيّ وذلك الرعب، فكيف ستكون نفسيتهِ وأي أثر بصم بصمتهِ في داخلهِ وأي حياة ستكون لهُ بعد ذلك وبأي صورة ستُعاش؟!
نسأل هنا هذا السؤال الذي طالما يتبادر إلى ذهني، الكثير من الندوات والمؤتمرات التي تقام من أجل إنقاذ الطفولة ومن أجل حمايتها، عندما تقام ويناقش فيها بأي حلول ونتائج تختتم مُناقشاتها؟! وربما قد يقول قائل:" هنالك حلول وقواعد للسير عليها توضع ولكن التطبيق الفعلي لها في الواقع لا يوجد"؟! فأين يكمن الخلل هنا، وما هي السبل الكفيلة للحدّ ولو قليلا من كل ما هو قائم في الحياة؟! الحروب لا تنتهي والحياة لا تنتهي، فهل هو صراع بين الحياة والحرب على الإنسان؟! أم هو صراع الإنسان مع الإنسان نفسهُ بالحروب؟! ويبدو أنهُ كذلك مع الأسف!
ويبقى أن نقول نصوص بنود حقوق الإنسان، القوانين الدولية، البروتوكولات، اتفاقية حقوق الطفل وغيرها، أين هي اليوم من التطبيق الفعلي؟! أين هي الحماية المنصوص عليها فيهم، وكيف تُصان الكرامة في ظلهم؟! أين هو الطفل والمرأة اليوم في ظل مختلف الممارسات الوحشية والحروب المدمرة؟! صور مؤلمة لضحايا تركت في نفسهم مشاهد لا الزمن ولا هو نفسهُ قادر أن يتجاوزها أو ينساها، صور باتتْ مطبوعة في الأذهان وراسخة في القلوب وتعيش فيهم بكل ما فيها، أنها نوع من الثقافة التي تغذي العقول والأذهان على العنف والقلق والخوف، أنهُ جيل كامل مُتمثل بهؤلاء الأطفال الذين سيكبرون وهم يعانون من مشاكل نفسية عميقة، لها تأثيرها السلبي مستقبلا على حياته ومستقبله ومستقبل بلده، طبعًا إذا تركت بدون علاج وبدون مساعدة على تجاوزها، وهذا صعب وصعب جدًا في ظل بلد مثل العراق طحنتهُ الحروب ومزقهُ العنف والتفرقة، وكذلك الحال مع فلسطين وسوريا ولبنان!
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #8 في: أêار 02, 2015, 04:33:36 »



وطني يؤلمني

سهى بطرس قوجا

الحرمان والشوق يجعلك تسبح في بحر من الأمنيات لأشياء ترغبها .. وأجمل ما يتمناه أي إنسان في هذا الكون هو وطنًا ينعم بكل ما فيه من عيشة كريمة وحياة آمنة ومستقرة وحقوق المواطنة الحقيقية والجادة، تحت مظلة القانون والعدل والمساواة بين الجميع، وطنًا يشعر فيه المواطن بالدفء بين أحضانه وبالأمان بين ربوعه والطمأنينة في أيامه والأمل في أفقه، وطنًا كل ما فيه أرضًا خيرة معطاة وإنسان يقدسها ويصون كرامة الآخر التي هي من كرامته ... ولكن أين هو ذلك الوطن أو البيت؟!

ظروف أدت إلى المعاناة، وهذه الأخيرة أدت إلى التشتت وألم لا نهاية له، كانت لهما بدايات لا تعد ولا تحصى ولكن النهاية الوحيدة والمجهولة غير واضحة! تعددت الطرق واختلفت المسالك وأختلطت الأمور وتبعثرت النتائج، كثيرين يلعبون على حبل السياسة ويحاولون أن يسحبوا اللعبة نحوهم من أجل الظفر بما فيها، فما يكون بالنتيجة مستقبلا غير آخرين يتحملون العثرات ويعيشون التخبط! البيت ترك بابه مفتوحًا من قبل أهله وبيع ما فيه بأبخس الأثمان، كانوا في ساعة ما مجتمعين حول طاولتهم من أجل تقسيمه وفي حضرة الضيوف، فما كان في النهاية غير النصيب الأكبر للضيوف وأرث القسمة... أنظروا للمفارقة كانوا يحلمون بذلك القليل فكان لهم الواقع بكل ما فيه.

نقشت في الروح جملة (وطني ما زال يؤلمني وجميعي يؤلمني من أجله، وطنًا يعيش في داخلي، وداخلي تعيش في الوطن)، لم نعد نعرف، هل هو الهذيان للوطن أم أنه التفكير بكل ما كان فيه الذي لا يبرح البال؟! أنه الجري خلف السراب والبحث عن اليقين، أنه التعلق بخشبة طافية في عرض المحيط! أنها بلادنا التي نبتنا منها ولها المفروض أن يكون كل شيء، ولكن أين ذلك الواهب والمانح لها؟! كفاءات، أصحاب عقول، مثقفين، مؤرخين ...الخ، أخذتهم الغربة وطوتهم بين صفحاتها وضاعوا في دهاليزها وكان ثمرهم يطرح لها وفيها. تساؤلات كثيرة تؤرق الذهن وتنتهي بعلامة استفهام كبيرة، ولكن السؤال الغالب يبقى يردد ..... إلى متى، وماذا بعد كل ما يجري، هل لتلك العجلة ألا تتوقف أبدًا؟! هل من الممكن أن نلمح الحمام وهو حامل ورق الشجر بمنقاره؟!

يدهشنا الخافي الذي نجهل ملامحه والقادم من تلك الدوامة اللامنتهية بل بالأحرى بتنا نعيش الاندهاش والاستغراب والقلق فيما تؤول إليه كل الأحداث باختلافاتها! لم تترك فسحة ولو صغيرة للنظر من خلالها، الظلام دامس والعفوية قتلت والإرادات سلبت والأفق ثقيل بما يزدحم عليه! أصبح المصير لعبة وساحة مزايدات وأصبح الإنسان طعم صغير مثل الطعم الذي يرمى للأسماك لصيدها، رخصت الروح البشرية ومعها استرخصت كل الأشياء من قبل الإنسان نفسه! اختلفت الأدوار من أجل الأهداف ذاتها  فكانت الازدواجية تعيش بخفتها في ضمير ومكنون الكثيرين وتعكس في الحدث الواقع.

وطني يتألم وألمه يؤلمني، هو بحاجة إلى إسعافات ضرورية قبل أن يصيبه الشلل أو تقطع أنفاسهِ أو ربما الموت المفاجئ! وطني بحاجة إلى أن تضيء الشمس ربوعه وتدفئها ببزوغها، ألم يحنّ الوقت بعد؟ ألم تحّن الساعة من أجل الأخذ بيده وإسناده من أجل أن يعود كما كان؟ الوقوف كثيرًا يؤلم ويقصم الظهر. وطني أشبه بشجرة مملوءة بالزهر، يمر عليها الريح الهباب ليهزها وينثرها وينقل زهرها معه إلى أبعد من حدودها، هكذا هم أبناءه يتبعثرون يومًا بعد يوم وهكذا يبقى مثل تلك الشجرة بلا ثمر إن استمر الحال. نتأمل بالقريب أن يلوح بالأفضل فقد مللنا من كل شيءٍ  الماضي على نفس الوتيرة وأدناها.


سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #9 في: أêار 02, 2015, 04:34:52 »


عراقي يحلم بالمستحيل

سهى بطرس قوجا
أنه يتسأل: كيف سيكون القادم الذي يمطرنا على غير ميعاد؟! طال المغيب وضاعت البشائر، هذا العالم بوسعه ضاق علينا، الهواء خانق واليوم مثل الأمس، نفوس مريضة، قرارات غير مسؤولة، أفكار مترددة وشاردة، لا ثبات ولا رسوخ في الرأي، قتلتنا المبادئ الكاذبة والألسن المزمرة! أفكر بكل هذا وغضب وثورة يطحناني، أريد أن أثور واسمع العالم ضجيجي الذي لا يصمت ... غاضب لأن أصبح اسم العراقي يُخاف منه ... أصبحنا في موضع الشك وفي دائرة الاتهام والفساد! وثورة تجتاحني هي حنينًا وشوقًا وحزنًا على كل ما يسلب منا: الأمان، الكرامة، الوجود، الأرض، الاسم ... كيف لهذه جميعها أن تعود؟! 
مسكينًا هو العراقي أنه لا يطلب الكثير أنها مجرد أمنية بسيطة تخطر على بالهِ ولكن مع ذلك هي مستحيلة الحصول في ظل واقعه! سنين وسنين تمضي إلى غير رجعة وهو ما زال  يعيش المعاناة باختلافها ... فكم من عراقي ما زال الحلم يورقهُ؟ وكم من عراقي ما زالت الأرض تنبذه؟! أصبح كل شيءٍ لهُ مستحيل بل أصبح يعيش المستحيلات، العالم من حوله في حراك وهو ما زال في سكون وصمت وتراجع دائمي، ما زال في نقطة لا يستطيع تجاوزها، لا يعرف كيف يخطوّ للأمام ولا يعلم كيف يُسمع صوته، كل ما يعرفه أنه لابد وأن يكون راضخ وتابع لكي يتابع ما يجري من أحداث ويواكبها بعيون وعقول غيره!
هناك يدٌّ تلوح بالبقاء وأخرى تُمدّ للأعناق، هناك صراخ من أجل الهروب، عيون دامعة تودع الأحباب ... أبواب تغلق قبل حلول المساء ... أذان مترقبة تنصت يمينًا وشمالاً ... عقول مرهقة وأفواه مُكممة ... هنالك صوت خافت وكأن به رعشة الخوف ينادي من بعيد بالنجاة ... لغة تنشأ من اختلاط الحروف .. هنالك كيان عراقي يُبنى على الأنقاض والمخلفات ... هنالك أرضًا يطالها الجراد ... الأحداث والمناسبات التي فيه وكأنها مآتم مُقامة على الدوام ... المال يُسرق ليوزع للغرباء وأيادي تصافح من تحت الطاولات... مراهنات، مزايدات، منافسات، صراعات، تقسيمات، تزييف للحقائق، تحريف التاريخ، تعصب، تطرف، تحولات خطيرة، العبث بالتسميات وتحويرها، سلب الكرامة .... كل هذا وغيره موجود في المغارة المنسية، التي فقط الغروب عنوانها والضياع مسكنها.   
كثر الحديث وقل الفعل! جملة تناقضات، ظهور أنماط متأثرة بالبيئة تجد في التعايش والتفاهم صعوبة بالغة وعدم تكييف، أنماط لا تقبل بغير ما مرسوم في دائرة أفكارها وما مخطط في عقولها وما موجود في واقعها المحصور، أنها لا تستقبل ما يخدم وما يُنمي بل تبث ما يحطم!   
ما زالت الدائرة نفسها منذ أعوام كما هي والكل يدور في فلكها، وكأن الحياة محصورة من ضمنها أو ربما من يتخطاها سوف يتوه ولا يعرف العودة إليها، أنها الدائرة ذاتها لا تغيير مسهّا ولو طفيفًا وكأن حدودها صنعت من فولاذ يصعب تجاوزه! ما زالت الأفكار تنسخ وتُعاد والنتيجة غائبة ومجهولة وملغية ... الحماس الأعمى يلهبهم ومع الوقت يخمدون ويعودون  إلى الركود! تمضي الحياة بالأشخاص أنفسهم وأفكارهم ذاتها تنتهج نفس القالب والمضمون! وهذه هي المشكلة التي تعاني منها الأكثرية وهي العيش في ظلال أفكارهم وزمانهم وعمرهم، والزمن من حولهم يدور وهم عن الوعي غائبين وفي سبات مستديم، السنين تتقدم بهم وانقسامهم الواحد ضد الآخر يزداد ويكبر وكأنهم يربون وحشًا يلتهّم من يأتي في طريقه بدون رحمة. 
الصراعات الدائمة نتيجتها إلغاء وتهميش، أنها السياسة العقيمة المنتهجة من أجل مصالح وغايات. والمجتمع العراقي بحاجة إلى وخزة ضمير من أجل أن يستفيق وينهض للحياة، السبات الذي هو فيه لسنين طويلة نتيجته هو بسبب كونه لا يقبل على التجديد ولا يرضي بغير ما هو موجود في حدود فكر غيره، أنه خائف ومتردد من الإقدام خوفًا من الفشل والمنافسة! تلك الأفكار التي كانت في زمن ما زالت تعيش وتتكاثر نحو الاسوء والسيئ، وهذا واضح مما هي الأمور والأوضاع تؤل إليه في البلد.
كل من أعطى لنفسه المسؤولية لابد وإن يحرك دوامة أفكاره باستمرار من أجل استمرارية دائمة ومواكبة الحدث بنتائج إيجابية، لابد من دراسة الواقع كما هو في لحظته من أجل مستقبل أفضل وأنضج وأوضح ومن أجل النجاة والفرج من المصائب التي البعض بعيدين عنها وآخرين من يقعون في مصيدتها. 
أليس من حق العراقي أن يحلم حتى وإن كان مستحيلا، المهم أنه يبادر بالمحاولة من أجل أن يلمس ويعيش لحظات يتمناها في الواقع المرير؟!


سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #10 في: أêار 02, 2015, 04:36:16 »


أمنيات نازحة

سهى بطرس قوجا
أمنيات نازحة وأحلام هاربة وقصص تتكدس في بُودَقَة الزمن من صرخات وطنًا يحيا بصعوبة بين أنقاض يخلفها الطغاة الذين يحاولون النيل منه! وطنًا أصبح على مشارف أن يودع كل الأشياء ويستقبل الخوف والغبار الأسود القادم من عتمة الشرير وضياع الضمير! وطنًا أصبح حلمًا بعيدًا لكل الذين يستبعدون ويلوذون  بالفرار مرغمين ممن فيه ... إلى أين يأخذنا المطاف، وماذا بعد يوجد لم نبصره؟!
أعطي لمجموعة أطفال نازحين ورقة وقلم وقيل لكل واحد منهم أن يكتب أمنيته عليها.. فكانت الإجابة بالإجماع تكتب بأنامل صغيرة .. " نريد بيتنا"! أمنية كبيرة تستقر في عقول وقلوب صغيرة وبريئة ليس بيدها غير أن تتمنى ما لا تستطيع أن تنقذه ممن يحاولون أن يجعلوه مجرد كومة أنقاضًا. أمنية قد تكون بعيدة بعض الشيء ولكن لن تكون مستحيلة ما زال هنالك من يريد أن يجعلها واقعية بقوة صبره وتحديه وتفكيره الجدي.
الأوطان ما زالت المزايدات عليها، وما زال كل شيءٍ يُبنى بسنين يقابله الهدم في غضون ثواني معدودات ... نعم ، هكذا أصبح حال كل وطن يتلقى الجرعات من القريب قبل الغريب ويبكي مما ينابه! كم من طفولة مشردة وكم من طفل حُرم من مسكنه ومن حضن أهله؟ كم من طفل في العالم اليوم يعاني ويحمل عناء الشقاء والضغوط والإعانة؟ كم من إنسان اليوم يعيش بلا بيت وهو في وطنه؟! كم من إنسان يُعامل مثل باقي المخلوقات وأدنى، أكيد من خلال استدلالانا بما يجري في الواقع؟! كم من إنسان تخلى عن إنسانيته في سبيل أن يبقى ويا ليته بقىّ؟ كم من روح رضت أن تموت من أجل أن يستمر الآخر؟! 
خوف ... أختناق ... صراخ ... هروب ... خطر ... وعثرات في الطريق ... هذه إمرأة مُسنة ومقعدة والخوف سوف يخنقها ويقتلها وهي في مكانها لا تستطيع الحراك، لا قدرة لها على الهروب ، فكيف لها النجاة؟! هذا رجل خائف على أهل بيته وبناته ويحاول كل المحاولات في سبيل أن يبتعد بهم أكثر عن النفوس العابثة والخبيثة! تلك طفلة صغيرة تصرخ وتبكي وتُنادي على أمها التي بيعت وهي لا تعلم ... تصرخ وكل ظنها أنها ستسمعها مثل كل مرة وتأتي إليها راكضة لتحضنها وتحملها على كتفها ... ولكن أين هي من صراخها؟! أنهم مجموعة رجال ونساء وبينهم أطفال يركضون إلى المرتفعات ليختبئوا بين الصخور بدون أن يفكروا إن كان هنالك نجاة بمحاولاتهم، ومن أين يأتي التفكير وتحكيم العقل إن كان الضباب يحجب عنهم الرؤية؟! 
من ينقذ هؤلاء من بطش عدوهم .. وإلى متى يبقى المستقبل يحمل المفاجأت ويسير نحو المجهول؟! أفواج وأفواج من البشر تصرخ إلى السماء وتجر اذيال الخيبة ممن في أوطانهم وممن أعتبروهم المعين والسند لهم، هاربين وتاركين كل شيءٍ خلفهم والصدمة سوف تعدمهم ... إلى أين المسير وإلى أين المستقر؟! إلى متى سيبقى الحال يتنقل بهم مثل بندول الساعة، يضربهم مرة إلى الشمال وأخرى للجنوب ومرات أكثر خارج الحدود بعد أن تخطأ بحركتها وتكسر ما يحيطها؟!
 الحديث عن الوطن لا ينتهي والكلام عن تلك النفوس الصغيرة التي تركته مرغمة ومن قلة حيلتها لا يمكن إيجازه! كيف نعيد للوطن عزته وكيف نعيد للأرض طهارتها التي دنست؟! من يقول للجانب الآخر من الإنسان كفاك ظلمًا؟! قد تكون مطالبنا كبيرة وصعبة التحقيق ولكن تبقى تمنيات ورجاء في الغد القادم بأن يكون الأفضل في كل ما يحمله من أنقاض الماضي والحاضر ... تلك الأنقاض إذا كان عمل موحد ومشترك لها من الممكن أن ترمم الكثير مما خدشه الشر وهو مارًا . لا وجود للمستحيلات ما زال هناك الممكن الذي يمكن أن يتحول إلى لون جميل وزاهي يُعطي للأطفال مرة أخرى من أجل إعادة كتابة أمانيهم من جديد، علها بهم تكون حقيقة وتعود للوطن عزته وهيبته التي شتتها اللون القديم.
 

سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #11 في: أêار 02, 2015, 04:38:05 »


ماذا بعد الخمود النسبي؟


سهى بطرس قوجا
صناعة الموت أصبحت اليوم تنتج أنماطا مختلفة من الوحوش البشرية التي تفترس نفسها قبل أن تقدم على فريستها ... أنماط تشكلت من عجينة الإرهاب والإجرام والمصلحة، وهذا وارد في كل بلد تلتهمه الحرب على الدوام  وتسحبه السياسة إلى ملعبها.
احترنا في وصف الواقع واحترنا في كل شيء يميل للتعقيد فيه ومجمل حديثنا اصبح عبارة عن تساؤلات واستفسارات لواقع بات كل شيء فيه متوقع وحاصل بسبب الخلافات الظلامية.
ففي ظل بلد كالعراق الذي ذاق شعبه شتى أنواع القهر والظلم على مدى سنين متواصلة بسبب انعدام الحوار على طاولته وغياب التلاحم، ماذا سيصبح أو ما هو المتوقع من هكذا تركيبة تتشكل في ظل انتهاكات دائمة؟! نعم ... لم نعد نعرف السبيل للفرج ولم نعد نعرف كيف نصف هذا الحال الذي يُغري الموت في أن يبقى فيه؟! حال ينقل الشعب من مرحلة إلى أخرى أقسى ثم إلى مآسي وعصابات تتشكل وتمارس إجرامها بلا ضمير! وبالتأكيد هناك من يريد أن يدوم الحال ويريد أن تبقى الأبواب مفتوحة من أجل أن تهب العواصف كما تشاء وكيفما تريد وحسب ما هو مخطط ومتطلع لها!   
داعش هذا الاسم الذي لا صلة له بأسماء الإنسان، أنه الأنتاج الذي تشكل من صُناع الأرهاب، منذ ظهوره المفاجئ في العراق كان كالآلة يحصد ويحصد ويرمي خلف ظهره، إلى أن وصل إلى نقطة لا يمكن له أن يتجاوزها أو يقترب منها بالأساس ... وهنا توقف وخمدت نيرانه قليلا ولكن ما زال كالبركان الذي في أية لحظة ممكن أن يتفجر بمساعدة صُناعه! فئات لا مأوى لها هائمة في البراري تقتات من تعذيب النفوس ... فئات انتشلت من مستنقعات المياه الآسنة ومن أرض الفساد ... فئات منهمكة في التفكير بالرذيلة وكيف تقتل الفضيلة ... فئات لا وطن لها وتنثر الفساد في الأوطان ... فئات مُسيرة تتبع ما يُرمى لها ... فئات لا صلة لها بالإنسان.   
هل يمكن لمن يُراد أن يقلع من جذوره أن يتفاءل بعد كل ما يتجرعه من ويلات مستمرة؟ متى تنتهي صلاحية صناعة داعش، وماذا بعد المخططات الدموية المتواصلة؟ ماذا يوجد بعد والشعب المسكين لم يُمارس عليه؟! لربما هنالك حسابات أخرى تأتي بعد الفشل الذي يلحق بالأطراف المتعاونة في سبيل المصلحة المرجوة؟! كل شيء واردّ ما زال هناك فساد وغسل للأدمغة ... كل شيء متوقع ما زال الشر هو المحرك والحاكم ... وتبقى الأوضاع المتذبذبة تتأرجح وتأتي بالاسوء تحت سمع وبصر العالم أجمع! 
العراقي القليل الحيلة والذي ما زال الاضطهاد يلحقه وهو في بلده، ماذا سيبقى منه؟ ما الذي يُرجى من إنسان يعيش الفتن الطائفية، مداهمات مستمرة، اختطاف، قتل، تشريد، مساومة، اعتداء، هتك الأعراض، تهميش، صراعات عنصرية، جوع، عطش، حاجة، مرض، سرقة، غياب، تهجير قسري، تصفية، خوف وفزع دائم، فوضى وتدمير، طعم الموت، صوت ودخان المتفجرات، شعور الحرمان، ضعف شعور الانتماء، فقدان المواطنة ..... الخ! أي حياة هي هذه وماذا بقيّ لم يشاهده ويعاصره طوال سنين حياته؟!
شعوب تنهض على دمار شعوب أخرى وموت يصنع من أجل تقليص الحياة! العراقي ما زال في تلك الدائرة يراوح فيها مُجبر! أصبحت أرض الوطن غرفة اختبارات كتلك التي تستعمل من أجل إجراء التجارب الكيمياوية ... هكذا أصبح البلد حقل تجارب والكل يصارع من أجل أن يوصله إلى أبواب الجحيم التي تفتح باعتقادات مريضة وتوجهات خبيثة!
وهذا الشعب نقول أنه شعب عجيب ومسكين تحمل فوق الطاقة وفوق الاحتمال .... ولكن إلى متى يبقى حاله هكذا ينقله ما بين وبين؟ الكل يعرف ما في الخفاء والكل يعمل فيه من أجل أن يظهره بالصورة المراد لها. لا يوجد من يهتم بالإنسان من أجل الإنسان ذاته بل الكل يركض ويتسابق من أجل الحصول على المقسوم وما تهبه هذه الأرض. نتمنى أن تغلق هذه الفجوة التي تبتلع كل ما تصله ونتمنى أن يكون هنالك قرار موحد بشأن كل الأحداث المتسلسلة التي تشل حركة الحياة وتوقفها وترجعها إلى الخلف، ونتمنى كذلك أن يتم ترميم البلد من خلال بناء دولة بعيدة عن الدين والتطرف. 
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #12 في: أêار 02, 2015, 04:39:40 »


هل من يسمع نداء الأبرياء؟!

سهى بطرس قوجا
يمرّ العراق منذ سقوطه في 2003 بظروف استثنائية مفاجئة وخطيرة أخطر من التي سبقتها، تظهر على غفلة كلما اقتضت المصالح والخلافات ظهورها، لتلعب لعبتها وتترك ضحايا ومخلفات يصعب مع الزمن إزالتها أو الانفكاك منها. أنها دائرة يدور بها البلد ولا يعرف له مُستقر أو أين سُيرسى به؟
فما اصابه مؤخرًا من قبل من يدعون بـ ( الداعش) يفوق التصورات والتخيل، في فترة قياسية تمكنت هذه الجماعات المتطرفة والمهمشة والمرتزقة والمتمثلة بأفراد من جنسيات مختلفة من الدخول وبسط سيطرتها على بعض القرى والبلدات العراقية بعد إن فعلتها في بلاد عربية مجاورة، مستخدمة العنف ومتسترة تحت راية (الله أكبر) والجهاد في سبيله، من دون أي مقاومة تذكر ومن دون أن يكون لأصحاب القرار أي دور أو ردع لهم لأسباب يطول الحديث عنها وفيها! مكتفين بالصمت والمتابعة إلى أين سيوصل المخطط الذي بُورك بموافقة من كان لهم هذا التنظيم مخرجًا لأزماتهم. 
مخطط قائم على التضحية وتصفية المكونات المسالمة في بلد طالما عاش الحروب، نساء تسبي وأطفال يموتون جوعًا وعطشًا وعوائل تهجر جماعيًا وهي في بلدها وإجبار على أعتناق دينًا اقصائيًا قائم على القتل والعنف والرذيلة! مخطط كان للمسيحيين والأيزيدين النصيب الأكبر منه ليكونوا ضحايا عقلية متخلفة ومريضة لا تفقه من الدين الذي ينادون به شيئًا .. أبرياء يدفعون ثمن شيئا لم يقترفوه. أي دين ونحن في 2014 يجبر على التخيير ويفرض الاعتناق أو دفع الجزية وترك الأرض التي أتوا منها وتعبوا فيها وكانت معقل أجدادهم لقرون طويلة؟! في العصور الجاهلية كانت هكذا أساليب تمارس وكان للإنسان نصيب من الظلم الممارس، ولكن نحن اليوم لسنا في تلك العصور والإنسان لم يعد ذلك الإنسان! هناك شيء اسمه عبور وانتقال مما كان ليكون فيه بكل افضليته.
مُخطيء من يقول أن الماضي يُعيد نفسه، هو الإنسان من يكرر الأسباب والحالات ويدعوها للمثول في الواقع من خلال فكره الاستبدادي والإجرامي الذي يفيق ويوقظ فيه الشرور لحظة عيشه الضياع والغياب وإعطاء الحق لنفسه بممارسة ما ليس له. 
ما يفعله هؤلاء المُدعون الجهاد في سبيل الله ما هو ألا أعتداء وأثم سوف يحاسبون عليه، ففعلهم أقبح من القباحة نفسها وهذا واضح في شكلهم وهيئتم الدالة على الإجرام. لا تهمهم حياة الآخرين ولا حياتهم، هم عنها مستغنين لأنهم يلهثون كالعميان خلف وعد بالجنة وحوريات تستقبلهم! عقول غبية تركض وراء الغيبيات الغير مرئية. هؤلاء الجماعات التكفيرية ما هي ألا صناعة عقول استبدادية عرفت الدين من خلال الأفعال الدموية للبعض ممن ينتهج الوهم ويتبع دينًا قائم على أساس ما يريد ويفسره بصورة خاطئة.
نأسف لبلد نراه يبكي وينزف ويصرخ ولا من مُجيب أو مُعين، له كل شيءٍ ومن أجلها يفعلون المستحيل من أجل نيلها. تعب البلد وتعب الشعب واحتار في مصيره، بلد تحول إلى ساحة حروب وصراعات وهضم للحقوق. ما ذنب هؤلاء الأبرياء جميعهم وما ذنب أرض تتحول إلى مقابر! حكايات تروى وقصص وأحداث لا تنتهي والتاريخ سيكتب الكثير والكثير مما ليس له نهاية مع أننا نأمل أن تكون هنالك نقطة توضع في نهاية الأحداث ... إلى متى يبقى الحال يمضي بالعراقي من سيء إلى أسوء؟! إلى متى يبقى العراقي ضحية انعدام الضمير والإنسانية؟! إلى متى يبقى العراقي ضحية ثروات بلاده؟!
الجميع اليوم مطالبين بإبراز موقفهم المتمثل بإسناد وحماية مكون من عدو لا يرحم ولا يعر ف الله والوقوف بوجهه وقطع مصادر التمويل التي تمول عملياتهم وتمدهم بالمال السلاح ... الجميع معنيين باتخاذ قرار وتحكيم ضميرهم في مصير أبرياء لا ذنب لهم غير انهم مُحبين للسلام وينشدون في سبيله. ويبدو أن أطماع هذه الفئة الهمجية تتصاعد وستأخذ زمام الأمور ممن أولتها الصلاحيات وساعدتها في أن تتطور وتتكاثر بشكل يثير القلق في نفوس العالم أجمع، وإن اصبح الحال على ما هو عليه فإن تيار هؤلاء سيجرف الكل في طريقه .. يكفينا مآسي وتكرار القضايا في زمن وأناس آخرين.
 
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #13 في: آب 07, 2015, 01:40:55 »

السلوك ما بين الميل والفعل

سهى بطرس قوجا
ردود الأفعال والضد السلبي من كل شيءٍ وسلوكيات البشر ولا نقول الإنسان كثيرًا ما تستهويني الكتابة عنها والغوص فيها، كوني غالبًا ما أصدم بسماع أو برؤية بشر انتهى عمرهم وهم ما زالوا في طوّر التطور ولم يصلوا إلى مصافي الرقيّ الإنساني والرقيّ بالأفكار وإيجاد الذات! بشر ما زالوا مُتمسكين بقديمهم الباليّ، داخلهم ما زال في جمود وتجردّ وظلام، ما زالوا تائهين عن واقعهم وضميرهم ما زال في غيبوبة ويدهم تلمسّ الشوك قبل الورد! بشر يعيشون حياتهم بصورة مزخرفة بكل زيف أمام الآخرين، وهم على حقيقتهم وفي باطن نواياهم ذئاب خاطفة وفي أفواههم سموم قاتلة! لذلك أرغب بالكتابة عنهم وبيان سلبياتهم للعظة والعبرة مُستقبلاً، ولكي يعلموا أن الحياة أسمىّ وهي واحدة ولا تشوه أبدًا بالتوافهّ؟! 
عندما رأيتهُ ماشيًا في شارع محلتهِ بــ نفسًا مذلولة ورأسًا مُنحنيًا إلى الأرض وبخطوات تأخذهُ يمينًا وشمالاً، أدركت إن ذاك الكيان قد سمع أو عاش ما جعلهُ مكسورًا هكذا، أنهُ قد عاش الفشل المُحتم من حالة هو من دعاها للمثول في حياتهِ بسبب أفكارهِ وخيالاتهِ المريضة! وبسببها وخزّ وخزات أرعشتهُ وهو في غرفة الإنعاش من أجل أن يحظىّ بالحياة. عاش حياتهُ ماضيًا فيها ما بين الميل والفعل المُتناقض لواقعها وللآخر، فكانت هنالك لاحقًا عصّا قوية ضُربت على رأسهِ أفاقتهُ من غيبوبة الرغبات ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن أدرك أن خطواتهِ في الحياة قد أخذتهُ للبعيد ورصيدهِ فيها السلبي في ارتفاع! كان بتصوره ومن وجهة نظره وحسب ما كان يعيشهُ في بيئتهِ التي خرج منها أو بالأحرى التي آوتهُ لاحقًا، أنهُ قد يجد مكان للأوهام التي طرحها فكره مُسبقًا ولكن صدمتهِ وفشلهِ مع نفسهِ أفاقتهُ وجعلتهُ يعيّ ويُدرك أن الأزمان والأحداث تختلف وتتغير ومعها الإنسان ولكن ليس كل إنسان! ليست كل الطيور تقع وليس كل صياد ماهرًا ويُصيب الهدف؟!
من لهُ إرادة قوية وإيمان بذاتهِ مُستحيلا أن يرضخ لواقع يرفضهُ وينبذهُ حتى وإن كانت الظروف أقوى منهُ وتعكس معظم القادم ما في حياتهِ وأحلامهِ! وطبعًا كل فرد يختلف عن الآخر بكل شيءٍ وإن صادف وتقابل اثنين بنفس الصفات وباختلاف درجة الميل والفعل، فهذا من النوادر! قد يكون هنالك شبه طفيف في الشكل ولكن من الداخل مُستحيل أن يكون هنالك تقارب. لذلك كثيرًا ما أهتم الإنسان بذاتهِ وحاول أن يتعرف على مكنوناتهِ وأن يجد الأجوبة للكثير من الأسئلة التي تراود مُخيلتهِ سواء كان بخصوصهِ أو ما يخص الآخرين وما يخص الكون من حولهِ بأكملهِ اللامتناهي. وكثيرًا ما كان يقف حائرًا ومُستغربًا ومُترددًا على تثبيت الحالة وإرسائها على شاطئها! كون سلوك كل إنسان يختلف عن الآخر حسب البيئة والظروف والأشخاص المرافقين والأزمان!
فالسلوك الإنساني يختلف مفهومهِ ومضمونهِ، ولا يمكن حصره ضمن حدود حالات قامت ولكنهُ الإنسان هو من يأتي بهذه السلوكيات على اختلافها وتنوع درجاتها ويستدعيها في واقعهِ بغض النظر عن البعض منها المتوارثة، يعيشها مع نفسهِ وفي خيالهِ المريض ويُريد أن يُمارسها على غيره. وإن أردنا إعطاء وصف تقريبي للسلوك الإنساني السلبي حسبما أراهُ أقول بأنهُ:" مجموعة أفعال أو أقوال  مجبولة من ضمن كيان، تصدر منهُ ويظهرها في وقتها المناسب حينما ينقلب على إنسانيتهِ وينسىّ بأنهُ إنسان، راجعًا بها إلى العصور البدائية! طبعا أنا أتكلم عن حالة تماثلت في الواقع ومن خيالات إنسان يعيش الفراغ في بيئة من الأشياء.
لكل إنسان كيان وشخصية مُستقلة بذاتها، وعندما تجد شخصًا معظم حديثهِ أو الأصح بأكملهِ هو عن نفسهِ  ويستعين بأسماء أشخاص مرموقين من أجل تعزيز موقفهِ وبناء شخصيتهِ المُركبة، فتأكد بأنهُ يعيش في دائرة خيالاتهِ المريضة، أنهُ لا يملك ذاتهِ التي تُبنى طوبة طوّبة منذ مولدهِ، بلْ يعيش الـ ( أنا، دائمًا، كثيرًا، كل الأحوال ) وهو لذلك الـ ( قليل) لم يصل، يحاول أن يبنيّ شخصية وهمية، حالمة، مُقتدرة، طموحة، مالكة .... من خلال فكر مسموم مُؤثر على الجسد بأكملهِ ومحقون بحقنة مُخدر دائمي لا يفيق منهُ ألا على جرعة أكبر منهُ ومن حقيقة الواقع التي يصادفها ويسمعها فتبقيه على أرضهِ في اهتزاز وحيرة وفشل ذريع!
لذلك حاول دومًا أن تتحكم في سلوكك قدر الإمكان من خلال أفكارك وطريقة معاملتك للآخر، وكنْ حذرًا في كل فعل وقول تسعى فيهِ، وغير ذلك علق لافتة بحجم تراهُ مناسبًا في رقبتك مكتوب فيها بخط أحمر كبير:" أنا للإنسانية عديم وللضمير مشلول ... فاحذروني"، أفضل بكثير من أن تتلقى ما لا يعجبك في دنيا العجب!
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #14 في: آب 07, 2015, 01:44:55 »

المالية العامة Public Finance
( 1 ) العناصر المؤلفة للمالية العامة


سهى بطرس قوجا
كان مفهوم المالية العامة حتى منتصف القرن التاسع عشر، يعني أنهُ العلم الذي يتناول البحث عن نفقات الدولة وإيراداتها،إي تحليل الحاجات العامة والوسائل التي يتم بها إشباع هذه الحاجات.
والحاجات العامة هي حاجات جماعية Besoins Collectif يقتضي إشباعها بصورة جماعية بالنسبة لجميع أفراد المجتمع. وتتميز الكثرة الغالبة منها بعدم قابليتها على الانقسام (التجزئة Indivisible ) والتي يدخل إشباعها في نطاق دور الدولة التقليدي، أي في نطاق فكرة المرافق العامة وهي بصفة أساسية الدفاع والأمن والعدالة. وهذه الحاجات تختلف كمًا ونوعًا من بلد لآخر، لأن الأساس الذي تستند إليه الدولة في تحديد الحاجات العامة الحاضرة منها والمستقبلية هو المنفعة العامة.
أما مفهوم علم المالية العامة حديثًا، فهو العلم الذي يتناول البحث عن كل ما يتعلق بنشاط القطاع العام، وهو ذو صلة وثيقة بالنظرية الاقتصادية. وقد تأثرت المالية العامة كثيرا بالفكر الاقتصادي الحديث الذي ينبع من نظرية كينز العامة للعمالة والفائدة والنقود، إذ أصبح باستطاعة الدولة أن تكيف مستويات الأنفاق العام والإيرادات العامة لتعجيل عملية التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة. 
ولكن في مرحلة الدولة المعاصرة عرفت المالية العامة تطورًا أكبر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بسبب تعددها نظرًا إلى أهمية وطبيعة الإيرادات والنفقات العامة التي تختلف من دولة متقدمة إلى دولة أخرى في طور النمو، ولقد استحدثت المالية المعاصرة من قبل الأنظمة البرلمانية في مختلف الدول، وبالخصوص الدول الأوربية منها عقب انهيار الحكم الملكي.
وعلى هذا الأساس فأن أهمية علم المالية العامة لم يعد مجرد دراسة لجباية الأموال وإنفاقها في الأغراض العامة، بل يتناول بالبحث تكييف مستويات الأنفاق العام والإيرادات العامة للوقوف على النشاط الاقتصادي القومي ومراقبتهِ وما يُستتبع ذلك من أثار اقتصادية.
ــــ العناصر المؤلفة للمالية العامة:
عند دراسة المالية العامة يجب أن نتناول أربعة موضوعات رئيسية وهي:ــ
1  ـــ الحاجات العامة Public Needs :
تنشأ هذه الحاجات مع وجود الإنسان ووجود المجتمع والذي يتطلب من كل فرد بضرورة إشباع تلك الحاجة سواء كانت فردية كالحاجة إلى المأكل والملبس والسكن، أو سواء كانت جماعية مثل شعور أفراد المجتمع جميعهم بالحاجة إلى حماية أنفسهم وأموالهم وأسرهم، وأيضا حاجتهم إلى حماية بلدهم من الاعتداء الأجنبي، وحاجتهم إلى القضاء للفصل في منازعاتهم، وحاجتهم إلى مستلزمات العيش ... الخ.
2 ــ النفقات العامة Public Expenditure :
وهي عبارة عن مبلغ من النقود تستخدمه الدولة أو أي شخص من أشخاص القانون العام في سبيل تحقيق المنفعة العامة. والدولة تقوم بقدر من النفقات العامة سواء كان ذلك لإنتاج سلع وخدمات أو من خلال توزيع دخول تحويلية داخلية أو خارجية في سبيل مواجهة إشباع الحاجات العامة، لتحقيق أهداف اجتماعية أو اقتصادية كمساعدة الأسر محدودة الدخل بقصد تصحيح ما يقع من اختلال في توزيع الدخل أو من خلال الإعانات التي تقدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة للأفراد أو بعض وحدات الاقتصاد الخاص .
3 ــ الإيرادات العامة Public Revenue :
لكي تقوم الدولة بالنفقات العامة يلزمها تدبير الموارد المالية اللازمة لتغطيتها وتحصل على هذه الإيرادات أساسًا من الدخل القومي في حدود ما تسمح به المالية القومية أو من الخارج عند عدم كفاية هذه الطاقة لمواجهة متطلبات الإنفاق العام ، ولقد تعددت أنواع الإيرادات العامة إلا أن الجانب الأعظم منها يستمد من ثلاثة مصادر أساسية هي على التوالي إيرادات الدولة من أملاكها العامة والخاصة ومشروعاتها الاقتصادية بالإضافة إلى ما تحصل عليه من رسوم نظير تقديم الخدمات العامة ثم تأتي بعد ذلك الإيرادات السيادية وفي مقدمتها الضرائب أما المصدر الثالث فهو الائتمان ويمثل القروض المحلية والخارجية .
4 ــ الميزانية العامة Public Budget :
وهي عبارة عن تنظيم مالي يقابل بين النوعين السابقين ويحدد العلاقة بينهما ويوجههما معا لتحقيق السياسة المالية، بمعنى آخر هي بمثابة البيان المالي للاقتصاد العام وعلاقته بالاقتصاد القومي ويعتبر خطة مالية تظهر بوثيقة الميزانية التي هي تقدير تفصيلي للإيرادات والنفقات لفترة مقبلة هي سنة في المعتاد تم الترخيص بها من السلطة التشريعية .
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #15 في: تشرêو انأèن 10, 2015, 03:23:21 »

المالية العامة Public Finance
( 2 ) علاقة المالية العامة بالعلوم الأخرى


سهى بطرس قوجا
لكون المالية العامة مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية في الدول المعاصرة التي تختص بدراسة نواحي السلوك الإنساني، فمن الطبيعي أن تنشأ لها علاقات مع مظاهر الحياة الاجتماعية الأخرى كالاقتصاد والسياسة والاجتماع والإحصاء والقانون والتاريخ وعلم الإدارة والمحاسبة وعلم الأخلاق. ويتطلب فهمها كعلم وبغية توضيح الروابط بين علم المالية والعلوم الأخرى سوف نتناول دراسة هذه الروابط بشيء من الإيجاز، كما وسبق في موضوع سابق تناول العناصر المؤلفة لها.
1 ــ المالية العامة والاقتصاد.
علاقة علم المالية بعلم الاقتصاد من العلاقات الوثيقة جداً، لكونه فرع من فروع علم الاقتصاد ولأنه كما هو معروف يتناول القوانين المتعلقة بالظواهر الاقتصادية، أي العلاقات الاجتماعية التي تأخذ من الإنتاج والتوزيع للسلع والخدمات التي تشبع حاجات الإنسان المتعددة. وجوهر النشاط الاقتصادي هو بذل العمل على استخدام الموارد الموضوعة تحت تصرف المجتمع من أجل إشباع الحاجات، فأن الإلمام بمبادئ الاقتصاد يعد شرطا أساسيا لتفهم موضوعات المالية العامة، من إنفاق حكومي وضرائب وقروض عامة والتي جميعها تعد أدوات مالية واقتصادية مجتمعة في آن واحد، تستخدمها الدولة في توجيه الاقتصاد للتأثير في مستوى الدخل القومي ومجرى النشاط الاقتصادي. كما إن القواعد العلمية المتعلقة بالمالية العامة تتناول النظام الخاص بالعلاقات المالية للدولة التي تنعكس بشكل فعلي في علاقات اقتصادية عينية.
2 ــ المالية العامة والعلوم السياسية.
يرى  Duvergerإن المالية العامة ما هي إلا فرع من فروع العلوم السياسية. كما وثق Dalton العلاقة بين المالية العامة والعلوم السياسية، حيث يقول أن المالية العامة تقع على الحد الذي يفصل بين السياسة والاقتصاد.  فالعلوم السياسية تهتم بدراسة نظام الحكم والعلاقات بين السلطات العامة فيما بينها من جهة وعلاقتها بالمواطنين من جهة أخرى، في حين تبحث المالية العامة في النفقات والإيرادات العامة في إطار هذه السلطات. فارتباطها بالمالية العامة ارتباطا قويا لأنه يتأثر بها ويؤثر فيه.
الأوضاع الدستورية والإدارية لها أثرها في مالية الدولة العامة، حيث تختلف النفقات والإيرادات العامة في إطار هذه السلطات وحسب ما إذا كانت الدولة "استبدادية أو ديمقراطية أو موحدة (بسيطة) كانت أو تعاقدية (مركبة)" أو تملك نظاما إداريا مركزيا أو لا مركزيا. للظروف المالية أثرا مهما في أوضاع الدولة السياسية واستقرارها. فكم من بلد فقد استقلاله وتعرض لنشوب الثورات والصراعات بسبب اضطراب في مالية وميزانية الدولة العامة.
وضع ميزانية الدولة يعد عملا سياسيا وجميع العمليات المالية ترد في وثائق إحصائية كبيرة، وهذه المعلومات تشكل معطيات ثمينة في سياسة أية حكومة، لان ما تدرجهُ في الميزانية يبين ما أنفقتهُ الدولة على أي نشاط تتدخل فيه، ومنها يتضح التفاوت في الإيرادات والنفقات، وما إذا كانت تميل إلى الإقلال أو الزيادة.
3 ـــ المالية العامة والقانون.
القانون هو الأداة التنظيمية التي يلجأ إليها المشرع لوضع القواعد العامة الملزمة في مختلف المجالات. ومنها المجال المالي. لذلك تأخذ جميع عناصر المالية العامة من: (نفقات، إيرادات، موازنة) شكل قواعد قانونية من: (دستور، قانون، نظام، تعليمات). ويطلق على هذه القواعد اسم التشريع المالي. وهو عبارة عن مجموعة قواعد قانونية تنظم شؤون الدولة المالية، وبخاصة دراسة ظواهر المالية العامة من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وتحديد العلاقات بين تلك الظواهر.
4 ــ المالية العامة وعلم الأخلاق.
الأخلاق هي مجموع القيم والمبادئ التي يؤمن بها الإنسان ويتعامل على ضوئها مع الآخرين. وكثير من الأمور التي تتضمنها السياسة العامة لها أحكام قيميه تمتد جذورها إلى ميادين الفلسفة والأخلاق. فالحّد من التفاوت في توزيع الدخول والثروات لابد لهُ من التعرض لأحكام استندت في مجموعها إلى مبادئ الأخلاق والفلسفة عامة.
5 ــ المالية العامة والمحاسبة.
كثير من موضوعات المالية العامة وخاصة الضرائب تتطلب الإلمام بأصول المحاسبة والمراجعة وفنونها من استهلاك وجرّد واحتياطات ومُخصصات وعمل الحسابات الختامية والميزانية العمومّية للمنشات التجارية والصناعية. وتعتبر المحاسبة القومية أداة أسياسية تستعين بها الحكومة في رسم سياستها المالية.
ويزداد الارتباط بين المالية العامة والمحاسبة كلما زاد دخل الدولة في الحياة الاقتصادية وشاركت في المشروعات الإنتاجية المختلفة مما يستدعي نشر ميزانيات تجارية لهذه المشروعات.
6 ــ المالية العامة وعلم الإدارة.
الترابط وثيق بينهما، ويتضح هذا الترابط من اهتمام الإدارة في بلورة الصيغ والأساليب العلمية التي تضمن إدارة أي مرفق من مرافق الحياة الاقتصادية المالية بغية تسهيل انجازات الفعاليات الاقتصادية والمالية بكفاءة لتحقيق الأهداف المرجّوة.
7 ــ المالية العامة والتاريخ.
التاريخ كما هو معروف حصيلة البشرية على مرّ العصور، وهو يزود الباحث بمعلومات تساعده على استخلاص النتائج الصحيحة وتفسير الكثير من الظواهر الاقتصادية والمالية المعاصرة على ضوء إطلاعه على تطور النظم الاقتصادية والمالية عبر مختلف العصور.
8 ــ المالية العامة وعلم الاجتماع.
العلاقة بين هذين العلمين يتضح في مجال الضرائب، لأنه يترتب على الأخيرة أثار اجتماعية إلى جانب أثارها المالية والاقتصادية تمس طوائف معينة من المواطنين. وقد أكد Myrdal الصّلة الوثيقة بين النظم المالية والعلوم الاجتماعية والسياسية. ويعتقد العلماء بأن المالية والاقتصاد والأخلاق والمعتقدات وغيرها من أنواع السلوك الاجتماعي ظواهر مترابطة ومتداخلة والتأثير بينها متبادل. وان دراستها بشكل منفصل يؤدي إلى نتائج ناقصة. فتوزيع الدخل بين فئات المجتمع وفرض الضرائب أمثلة حية للعلاقة بين علم المالية والظواهر الاجتماعية كافة.
9 ــ المالية العامة والإحصاء.
المالية العامة تستعين بعلم الإحصاء لما يقدمه من بيانات وأرقام لمعرفة حجم الدخل القومي وتوزيع الثروة بين فئات المجتمع وعدد السكان ودخولهم وتوزيعهم على الحرف المختلفة وتوزيعهم في المناطق الجغرافية وحالة ميزان المدفوعات ومقدار الضرائب والرسوم وغيرها من البيانات الإحصائية التي لها أهميتها عند وضع ميزانية ورسم السياسة الاتفاقية التي تستخدمها الدولة لزيادة الدخل القومي أو أعادة توزيعه.
يتضح مما سبق ذكره أن للمالية العامة دور هام في حياة الدولة، فإذا أحسنت الدولة التصرف في ماليتها من خلال موازنة نفقاتها وإيراداتها، فذلك حتمًا سيؤدي إلى تجنب الوقوع في أزمات مالية ويغنيها عن اقتصاد مُضطرب يهزُّ مركزها كدولة تسير وفقًا لسياسة مُتراصة وواضحة لتكون لها قاعدة سليمة وقوية لرسم تشريع مالي للبلد يحافظ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ككُل .
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #16 في: تشرêو انأèن 10, 2015, 03:31:56 »

جالسة ... على أمل !

سهى بطرس قوجا
جلستْ على صخرة بالقرب من شاطئ البحر والحيرة تسبقها، تفكر ولا تحس بماء البحر وهو يضرب نفسه بقدميها من أجل أن يفيقها من السفر البعيد الذي هي فيه! تمدُّ بنظرها للأفق البعيد في فجر يوم صيفي، ما تزال فيه الشمس لم تشرق وما تزال هي من نومتها لم تستفيق .... يا ترى لما ذاك الشرود ولما تلك النظرة الحزينة في العيون؟! لما الصمت مخيم عليها؟! وما الشعور الذي يعتريها في تلك اللحظة وهي تتأمل في شيءٍ لا نعرفه؟! قد يفيد السؤال حينما نستفسر وقد يكون في الرد على المحير البعض من النفض عما هو جاثم، وقد تكون هناك ردة فعل قوية تجاهي .... لا أعلم فكل شيء وارد ومتوقع! ولكن أيًا كانت الردة سوف أذهب وأجلس بقربها وأسألها، ما الذي يوجد في الحياة ويستحق كل هذا الثقل والتفكير العميق؟
تقدمت بخطواتي تجاهها ووصلت قربها وألقيت عليها التحية وقلت لها:" منعشة هي نسائم الفجر والأجمل صوت البحر وكأنه لديه حديث كثير، أحيانًا تجدينه سعيد وهادئ وأحيانًا أخرى حزينًا ويثور". فأجابت:" معكِ حق هكذا أجده مثلما أجد نفسي ما بين هذا وذاك، فتجعلني في حيرة وارتباك"، فقلت وما الذي يجعل نفسكِ تتهاوى وتتأرجح هكذا، وهل دائمًا ترغبين حضرة البحر؟".
وبجواب سريع قالت لي:" وأنتِ ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المبكر من الصباح"؟ قلت لها:" أنا تستهويني الكتابة في صباح مفعم بنسائم الندى ولكي أشارك الطبيعة هدوئها، أحبّ زقزقة العصافير في الفجر وهي فوق الأغصان وأحبُّ منظر الشمس وهي تخرج من الأفق وتسترسل بأشعتها فوق مياه البحر لتلونه بالأحمر وتلقي عليه تحية الصباح. أحبُّ الطبيعة بكل ما فيها وخصوصًا جمالها ونقائها وصفائها، وأحبٌّ لون السماء في الأفق". نظرت إليّ وبدأت تعزف لحنها قائلة:" ذكريات عابرة في الزمان تحمل أجمل نسمات العمر ، وذكريات باقية تفتك بالباقي من سنين العمر، كنتُ منتظرة حلمًا وأتمنى أمنية لكن لا الحلم حضر ولا الأمنية تحققت وما زلت من يومها منتظرة ومتأملة.
هناك مواقف لا يمحوها النسيان، حاولت مرارًا لكن دون أن أفلح لا سبيل لمحوّ ما طبع في الذاكرة، ما زالت الكلمات تردد نغمها وما زال المطر كلما يهطل على زهرات الزنبق بتناغم أتذكر ما هو مسافر مع الايام بلا رجعة. ما زلت أتأمل الغروب وأعيش الشروق وأرى الحياة وهي تمارس الاعتياد في معظم ما موجود. ما في الأيام يبعثرني وما في نفسي يقلقني والشمس تدفئني ولكن لا تطمئنني"!   
قلتُ لها:" أعجز الناس من عجز عن فهم نفسه، أنكِ تائهة عن ذاتك ولكي تنتصري على ظروفكِ وما يتأجج داخلكِ عليكِ أن تنتصري على نفسك أولا وتلجميها وتبقيها تحت يديك. في داخلك الكثير ولكي تنجزيه عليكِ بالكثير مقابله، أنه التعادل والتوازن وبث الابتهاج في النفس. لا تثوري على نفسك ولا تدعيها هي بالمقابل تثور عليك، كل ما في الحياة مهما كبر أو صغر لديه حل وباب للدخول أو الخروج منه ... ما قولك في كلامي؟!
قالت: نعم ... إدرك هذا ولكن ما أدراكِ ما يجتاح داخلي ويجعلني ابحث عن أبعد مكان لكي أجلس فيه! أصم أذاني عن صوت البشر، فما يخرج من أفواههم حتى الحجر الذي لا ينطق يتحول إلى تراب ويتبعثر! فما بالك بكائن مثلي لا تقوي ألا على نفسها ويجعلها بدون إرادة تعيش في قوقعة الزمن الغاضب! قد يكون العكس ولكن أنا من أجده الغاضب.
قلت: الإنسان يفعل ويستغرب والحياة تتقبل وتمنح والغيبوبة تلعب دورها، كلٌ يعطي ويأخذ، كما هي الشجرة تستنفذ التربة الراسخة فيها من أجل أن تعطي الأفضل إن وجد. 
أحيانا كثيرة لا ينفع فيها الجلوس وخصوصا أن الأرض تدور دورتها الكاملة كل يوم .... أليس كذلك؟! كثيرين يقولون ويوعدون ولكن لا يفعلون وكثيرين تجدينهم يعيشون اللامبالاة. هل هو الغض أم النسيان أو يكون عدم الاهتمام وإعطاء الأمور والأشياء المهمة أولوياتها؟! هناك أوقات في حياة كل إنسان تجعله يرى ما يحيطه مُملا، أوقات تتملك نفسه وتجعلها تنبش في الذكريات القديمة وتبحث عن اصدقائها في زمنًا لم يعد زمانهم ... 
لنتذكر أن الورود إذا تركناها بلا ماء تذبل وتموت، كذلك معظم ما في الحياة إذا تركناه بلا اهتمام فأنه يلغي الكثير من المتحقق في حياة كل فرد.
 كل ما في حياتك وما يحيط واقعك في تغيير متواصل سواء كنت السبب فيه أو أتاك على غفلة، لا تستغرب ولا تحزن فالربّ يريد لك أن تتبدل أحوالك، له حكمته ومشيئته في كل الأشياء ولا تحزن لشيء ضاع منك بل حافظ على نفسك حتى لا تضيع منك وهذا هو الأهم.
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #17 في: وêسàاو 10, 2016, 09:48:15 »

حسقيل ساسون وبصمته في تاريخ العراق

سهى بطرس قوجا
أكيد ذاكرة الزمن تضم الكثير من صفحات تاريخ العراق المشرف والمشرق ولا تزال تخزن الكثير والكثير مما يمرُّ عليها، ليس فقط أحداثًا ومواقف بل وشخصيات كان لها مسيرتها والتي أتضحت من خلال ما بصمته أنها تستحق الانحناء من أجلها والتذكير بها من أجل أن لا يطمر الزمن ذكراهم وأن لا يتناسىّ عملهم وأن تكون دروسًا لغيرهم السائرين على نفس الدروب.
والمحطات التي يحفل بها تاريخ العراق كثيرة، سنتوقف قليلا عند أحداها لنستذكر أحد أبرز الشخصيات التي كان لها دورًا مشرفًا في إعلاء وإبراز اسم العراق في فترة الحكم الملكي، أنه ( حسقيل ساسون / وزير المالية العراقي  عام 1921م).
 يعد حسقيل ساسون أشهر وأنزه وزير مالية عراقي في تاريخ الحكومات العراقية المتعاقبة، هو أول وزير مالية أسهم بشكل كبير في وضع الأسس الصحيحة والسليمة لقيام الاقتصاد العراقي وبناء ماليته وفق نظام دقيق جدًا. قال عنه أمين الريحاني:" أنه الوزير الثابت في الوزارات العراقية، لأنه ليس في العراق من يضاهيه في علم الاقتصاد والتضلع في إدراك الشؤون المالية".
ولادته وتعليمه وعمله:
حسقيل ساسون  ( 1860 – 1932) هو عراقي يهودي ولد من عائلة يهودية بغدادية اشتهرت بالتجارة في بغداد كانت تسمى بــ ( روتشيلد الشرق)، كان لديه ( 3 أخوة و 4 اخوات)، أما والده فقد كان من رجال الدين المتفقهين في الشريعة الموسوية. ساسون كان غير متزوج وكان يقطن في بيت فخم على شاطئ دجلة قرب غرفة تجارة بغداد. أما دراسته فقد تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة ( الاليانس) ثم ذهب إلى اسطنبول للدراسة عام 1877، بعدها ذهب إلى لندن ليجتاز امتحان المتروكوليشن Matriculation  ومن ثم إلى فيينا ليدخل كلية الحقوق ويحصل على الشهادة. ومن فيينا عاد إلى اسطنبول لينال شهادة المحاماة من الدرجة الأولى من وزارة الحقانية في الأستانة. ساسون برحلاته الدراسية المتعددة هذه أتقن العديد من اللغات وامتلك مكتبة فخمة جمع فيها الكثير من الكتب المتعددة، لكن فيما بعد استولت عليها الحكومة العراقية وأدعتها ضمن مكتبة المتحف العراقي عام 1970م.
 في عام 1885م عاد إلى بغداد ليعين ترجمانًا لولاية بغداد ثم انتخب نائبًا في مجلس النواب التركي الأول عام 1908. شغل ساسون منصب وزير المالية خمسة مرات في فترة الحكم الملكي، حيث عين أول وزير مالية في حكومة السيد عبد الرحمن النقيب (الحكومة المؤقتة 1918 – 1921)، كما وأنتخب لوزارة المالية في وزارة النقيب الثانية 1921، والثالثة، ووزارة عبد المحسن السعدون الأولى، وكذلك في وزارة ياسين الهاشمي.
عرف عن ساسون أنه كان متشددًا في محاسبة الموظفين وحتى المسؤولين، حتى الملك فيصل الأول والحكومة البريطانية، كان لا يترك لهم ثغرة يسيئون فيها لمالية البلاد، ومن هنا جاءت الكلمة المترددة على ألسنة الكثير من العراقيين ( يحسقلها  .... تريد تحسقلها عليّ!).... (بمعنى يتشدد في المحاسبة). كما يُروى عنه بأنه كان سريع الغضب مع الموظفين إذا وجد منهم أي تهاونًا أو تقصيرًا، وهنا يذكر (مير بصري) أن (صفوت باشا) حدثه حينما كان ناظرا للخزينة الملكية الخاصة عن نفقات فصل البريد والبرق المخصصة للديوان الملكي عام 1925، أنها نفذت قبل أشهر من ختام السنة، فقد كانت الحرب الحجازية النجدية قائمة والبرقيات ترسل يوميًا من البلاط الملكي العراقي إلى (الملك علي) في الحجاز لمعرفة الموقف الحربي، فكتب الديوان الملكي إلى وزارة المالية يسأل الموافقة على نقل مبالغ من فصل أخر في الميزانية المصدقة إلى فصل البريد والبرق تلافيًا للمصروفات الطارئة. وهنا قال ( صفوت باشا):" دخل على وزير المالية ساسون أفندي ثائرًا منتقدا كثرة النفقات ومعترضا على نقل الاعتماد، فحاولت تهدئته وقلت له: أن جلالة الملك في الغرفة المجاورة! وفي اليوم الثاني سألني الملك: لماذا كان ساسون هائجًا بالأمس؟! وحينما أوضحت له الأمر، قال: أنهُ مبتهج ومسرور من موقف وزير ماليته وصلابته وحرصه على التمسك بالقواعد المالية والحرص على خزينة الدولة".
ومما يذكر عن ساسون أيضًا حينما كان وزيرًا للمالية، كانت هنالك مناقشة لبعض الأمور الاقتصادية في مجلس الوزراء، وكان من الطبيعي أن يتم مناقشة الأمور وطرح الآراء، قام ساسون بطرح بعض الآراء، فقاطعه ( جعفر العسكري)! فما كان من ساسون ألا أن ينتفض في وجهه ويقول له بصوت مرتفع:" أرجو يا باشا أن لا تتدخل في أمور لا علاقة لك بها، ولا تعرف عنها شيئًا، فهذه قضايا قانونية وأنت رجل عسكري".
شاعت عنه الكثير من الحكايات الطريفة ومن أشهرها ما حصل بيه وبين شركة النفط البريطانية، عندما أصر على شركة النفط البريطانية المسجلة عندئذ باسم (شركة النفط العراقية التركية) بدفع حصة العراق بالذهب (الشلن الذهبي) بدلا من ( الباون الانكليزي الورقي)، استخفوا طلبه وقتها، حيث كان الباون الانكليزي (السترلنغ) أقوى عملة في العالم، سخروا منه وضحكوا عليه وأتهموه بأنه رجل قديم الطراز! هزَّ رأسه قائلا:" نعم هكذا أنا .... سامحوني، رجل مُتحجر الفكر ومن بقايا العهد العثماني، رجاءًا ادفعوا لنا بالذهب". ضحكوا عليه و لكنهم طيبوا خاطره فوقعوا على الدفع بالذهب، لكن سرعان ما ثبت أن ساسون حسقيل كان أعلم منهم جميعا، فبعد سنوات قليلة تدهور الباون الإسترليني بالنسبة للذهب، وشركة النفط لم تجد مفراً من الدفع للعراق! كانت النتيجة أن ظل العراق يكسب ملايين إضافية بسبب تفوق الذهب على العملة الورقية الإنكليزية! ولا عجب أن أخذ البريطانيون يتضايقون من وجود ساسون على رأس وزارة المالية في كل مفاوضاتهم معها، فسعوا إلى التخلص منه حتى تمكنوا من ذلك بعد سقوط حكومة ياسين الهاشمي.
يتبين مما سبق توضيحه أعلاه بشيء من التبسيط أن هكذا شخصية تستحق فعلا أن يخلدها التاريخ. يستحق بلدنا أن يكون منها الاف النسخ من أجل أن تعيد بناءه وانتشاله من المستنقع الذي بقلة تفكير الكثيرين وصل إلى الحال الذي هو عليه اليوم! حسقيل ساسون كان أمينًا لدرجة الامانة المطلقة. كان لديه سعة من الثقافة والتفاني والجدية والتي برزت في عمله وتكونت في شخصيته القوية والواثقة، كان شريفًا ومخلصا لمهنته ووطنيا بكل ما يحمله الوطن. كان مؤمنا بإمكانية صهر جميع الطوائف والأقليات في بوتقة الوطن واعتبارها شعبًا عراقيا واحدًا. حسقيل ساسون كان رجلا يعمل من أجل الوطن وليس من أجل أن يستنزف وطنًا، وهذا هو الفرق بين ما قدمه في زمانه للعراق وبين ما يقدمه اليوم من يقود دفته باختلافهم واختلافاتهم! كان يقول:" أن الإهدار يجعل من المال سائبا، والمال السائب يعلم السرقة!"، العراق يسرق وماله يهدر والشعب يجوع وكان الله في عون الشعب المسكين.
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #18 في: وêسàاو 10, 2016, 09:50:10 »


السلوك ما بين الميل والفعل

سهى بطرس قوجا
ردود الأفعال والضد السلبي من كل شيءٍ وسلوكيات البشر ولا نقول الإنسان كثيرًا ما تستهويني الكتابة عنها والغوص فيها، كوني غالبًا ما أصدم بسماع أو برؤية بشر انتهى عمرهم وهم ما زالوا في طوّر التطور ولم يصلوا إلى مصافي الرقيّ الإنساني والرقيّ بالأفكار وإيجاد الذات! بشر ما زالوا مُتمسكين بقديمهم الباليّ، داخلهم ما زال في جمود وتجردّ وظلام، ما زالوا تائهين عن واقعهم وضميرهم ما زال في غيبوبة ويدهم تلمسّ الشوك قبل الورد! بشر يعيشون حياتهم بصورة مزخرفة بكل زيف أمام الآخرين، وهم على حقيقتهم وفي باطن نواياهم ذئاب خاطفة وفي أفواههم سموم قاتلة! لذلك أرغب بالكتابة عنهم وبيان سلبياتهم للعظة والعبرة مُستقبلاً، ولكي يعلموا أن الحياة أسمىّ وهي واحدة ولا تشوه أبدًا بالتوافهّ؟! 
عندما رأيتهُ ماشيًا في شارع محلتهِ بــ نفسًا مذلولة ورأسًا مُنحنيًا إلى الأرض وبخطوات تأخذهُ يمينًا وشمالاً، أدركت إن ذاك الكيان قد سمع أو عاش ما جعلهُ مكسورًا هكذا، أنهُ قد عاش الفشل المُحتم من حالة هو من دعاها للمثول في حياتهِ بسبب أفكارهِ وخيالاتهِ المريضة! وبسببها وخزّ وخزات أرعشتهُ وهو في غرفة الإنعاش من أجل أن يحظىّ بالحياة. عاش حياتهُ ماضيًا فيها ما بين الميل والفعل المُتناقض لواقعها وللآخر، فكانت هنالك لاحقًا عصّا قوية ضُربت على رأسهِ أفاقتهُ من غيبوبة الرغبات ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن أدرك أن خطواتهِ في الحياة قد أخذتهُ للبعيد ورصيدهِ فيها السلبي في ارتفاع! كان بتصوره ومن وجهة نظره وحسب ما كان يعيشهُ في بيئتهِ التي خرج منها أو بالأحرى التي آوتهُ لاحقًا، أنهُ قد يجد مكان للأوهام التي طرحها فكره مُسبقًا ولكن صدمتهِ وفشلهِ مع نفسهِ أفاقتهُ وجعلتهُ يعيّ ويُدرك أن الأزمان والأحداث تختلف وتتغير ومعها الإنسان ولكن ليس كل إنسان! ليست كل الطيور تقع وليس كل صياد ماهرًا ويُصيب الهدف؟!
من لهُ إرادة قوية وإيمان بذاتهِ مُستحيلا أن يرضخ لواقع يرفضهُ وينبذهُ حتى وإن كانت الظروف أقوى منهُ وتعكس معظم القادم ما في حياتهِ وأحلامهِ! وطبعًا كل فرد يختلف عن الآخر بكل شيءٍ وإن صادف وتقابل اثنين بنفس الصفات وباختلاف درجة الميل والفعل، فهذا من النوادر! قد يكون هنالك شبه طفيف في الشكل ولكن من الداخل مُستحيل أن يكون هنالك تقارب. لذلك كثيرًا ما أهتم الإنسان بذاتهِ وحاول أن يتعرف على مكنوناتهِ وأن يجد الأجوبة للكثير من الأسئلة التي تراود مُخيلتهِ سواء كان بخصوصهِ أو ما يخص الآخرين وما يخص الكون من حولهِ بأكملهِ اللامتناهي. وكثيرًا ما كان يقف حائرًا ومُستغربًا ومُترددًا على تثبيت الحالة وإرسائها على شاطئها! كون سلوك كل إنسان يختلف عن الآخر حسب البيئة والظروف والأشخاص المرافقين والأزمان!
فالسلوك الإنساني يختلف مفهومهِ ومضمونهِ، ولا يمكن حصره ضمن حدود حالات قامت ولكنهُ الإنسان هو من يأتي بهذه السلوكيات على اختلافها وتنوع درجاتها ويستدعيها في واقعهِ بغض النظر عن البعض منها المتوارثة، يعيشها مع نفسهِ وفي خيالهِ المريض ويُريد أن يُمارسها على غيره. وإن أردنا إعطاء وصف تقريبي للسلوك الإنساني السلبي حسبما أراهُ أقول بأنهُ:" مجموعة أفعال أو أقوال  مجبولة من ضمن كيان، تصدر منهُ ويظهرها في وقتها المناسب حينما ينقلب على إنسانيتهِ وينسىّ بأنهُ إنسان، راجعًا بها إلى العصور البدائية! طبعا أنا أتكلم عن حالة تماثلت في الواقع ومن خيالات إنسان يعيش الفراغ في بيئة من الأشياء.
لكل إنسان كيان وشخصية مُستقلة بذاتها، وعندما تجد شخصًا معظم حديثهِ أو الأصح بأكملهِ هو عن نفسهِ  ويستعين بأسماء أشخاص مرموقين من أجل تعزيز موقفهِ وبناء شخصيتهِ المُركبة، فتأكد بأنهُ يعيش في دائرة خيالاتهِ المريضة، أنهُ لا يملك ذاتهِ التي تُبنى طوبة طوّبة منذ مولدهِ، بلْ يعيش الـ ( أنا، دائمًا، كثيرًا، كل الأحوال ) وهو لذلك الـ ( قليل) لم يصل، يحاول أن يبنيّ شخصية وهمية، حالمة، مُقتدرة، طموحة، مالكة .... من خلال فكر مسموم مُؤثر على الجسد بأكملهِ ومحقون بحقنة مُخدر دائمي لا يفيق منهُ ألا على جرعة أكبر منهُ ومن حقيقة الواقع التي يصادفها ويسمعها فتبقيه على أرضهِ في اهتزاز وحيرة وفشل ذريع!
لذلك حاول دومًا أن تتحكم في سلوكك قدر الإمكان من خلال أفكارك وطريقة معاملتك للآخر، وكنْ حذرًا في كل فعل وقول تسعى فيهِ، وغير ذلك علق لافتة بحجم تراهُ مناسبًا في رقبتك مكتوب فيها بخط أحمر كبير:" أنا للإنسانية عديم وللضمير مشلول ... فاحذروني"، أفضل بكثير من أن تتلقى ما لا يعجبك في دنيا العجب!
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #19 في: وêسàاو 10, 2016, 09:57:46 »

( 1 ) العناصر المؤلفة للمالية العامة

سهى بطرس قوجا
كان مفهوم المالية العامة حتى منتصف القرن التاسع عشر، يعني أنهُ العلم الذي يتناول البحث عن نفقات الدولة وإيراداتها،إي تحليل الحاجات العامة والوسائل التي يتم بها إشباع هذه الحاجات.
والحاجات العامة هي حاجات جماعية Besoins Collectif يقتضي إشباعها بصورة جماعية بالنسبة لجميع أفراد المجتمع. وتتميز الكثرة الغالبة منها بعدم قابليتها على الانقسام (التجزئة Indivisible ) والتي يدخل إشباعها في نطاق دور الدولة التقليدي، أي في نطاق فكرة المرافق العامة وهي بصفة أساسية الدفاع والأمن والعدالة. وهذه الحاجات تختلف كمًا ونوعًا من بلد لآخر، لأن الأساس الذي تستند إليه الدولة في تحديد الحاجات العامة الحاضرة منها والمستقبلية هو المنفعة العامة.
أما مفهوم علم المالية العامة حديثًا، فهو العلم الذي يتناول البحث عن كل ما يتعلق بنشاط القطاع العام، وهو ذو صلة وثيقة بالنظرية الاقتصادية. وقد تأثرت المالية العامة كثيرا بالفكر الاقتصادي الحديث الذي ينبع من نظرية كينز العامة للعمالة والفائدة والنقود، إذ أصبح باستطاعة الدولة أن تكيف مستويات الأنفاق العام والإيرادات العامة لتعجيل عملية التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة. 
ولكن في مرحلة الدولة المعاصرة عرفت المالية العامة تطورًا أكبر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بسبب تعددها نظرًا إلى أهمية وطبيعة الإيرادات والنفقات العامة التي تختلف من دولة متقدمة إلى دولة أخرى في طور النمو، ولقد استحدثت المالية المعاصرة من قبل الأنظمة البرلمانية في مختلف الدول، وبالخصوص الدول الأوربية منها عقب انهيار الحكم الملكي.
وعلى هذا الأساس فأن أهمية علم المالية العامة لم يعد مجرد دراسة لجباية الأموال وإنفاقها في الأغراض العامة، بل يتناول بالبحث تكييف مستويات الأنفاق العام والإيرادات العامة للوقوف على النشاط الاقتصادي القومي ومراقبتهِ وما يُستتبع ذلك من أثار اقتصادية.
ــــ العناصر المؤلفة للمالية العامة:
عند دراسة المالية العامة يجب أن نتناول أربعة موضوعات رئيسية وهي:ــ
1  ـــ الحاجات العامة Public Needs :
تنشأ هذه الحاجات مع وجود الإنسان ووجود المجتمع والذي يتطلب من كل فرد بضرورة إشباع تلك الحاجة سواء كانت فردية كالحاجة إلى المأكل والملبس والسكن، أو سواء كانت جماعية مثل شعور أفراد المجتمع جميعهم بالحاجة إلى حماية أنفسهم وأموالهم وأسرهم، وأيضا حاجتهم إلى حماية بلدهم من الاعتداء الأجنبي، وحاجتهم إلى القضاء للفصل في منازعاتهم، وحاجتهم إلى مستلزمات العيش ... الخ.
2 ــ النفقات العامة Public Expenditure :
وهي عبارة عن مبلغ من النقود تستخدمه الدولة أو أي شخص من أشخاص القانون العام في سبيل تحقيق المنفعة العامة. والدولة تقوم بقدر من النفقات العامة سواء كان ذلك لإنتاج سلع وخدمات أو من خلال توزيع دخول تحويلية داخلية أو خارجية في سبيل مواجهة إشباع الحاجات العامة، لتحقيق أهداف اجتماعية أو اقتصادية كمساعدة الأسر محدودة الدخل بقصد تصحيح ما يقع من اختلال في توزيع الدخل أو من خلال الإعانات التي تقدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة للأفراد أو بعض وحدات الاقتصاد الخاص .
3 ــ الإيرادات العامة Public Revenue :
لكي تقوم الدولة بالنفقات العامة يلزمها تدبير الموارد المالية اللازمة لتغطيتها وتحصل على هذه الإيرادات أساسًا من الدخل القومي في حدود ما تسمح به المالية القومية أو من الخارج عند عدم كفاية هذه الطاقة لمواجهة متطلبات الإنفاق العام ، ولقد تعددت أنواع الإيرادات العامة إلا أن الجانب الأعظم منها يستمد من ثلاثة مصادر أساسية هي على التوالي إيرادات الدولة من أملاكها العامة والخاصة ومشروعاتها الاقتصادية بالإضافة إلى ما تحصل عليه من رسوم نظير تقديم الخدمات العامة ثم تأتي بعد ذلك الإيرادات السيادية وفي مقدمتها الضرائب أما المصدر الثالث فهو الائتمان ويمثل القروض المحلية والخارجية .
4 ــ الميزانية العامة Public Budget :
وهي عبارة عن تنظيم مالي يقابل بين النوعين السابقين ويحدد العلاقة بينهما ويوجههما معا لتحقيق السياسة المالية، بمعنى آخر هي بمثابة البيان المالي للاقتصاد العام وعلاقته بالاقتصاد القومي ويعتبر خطة مالية تظهر بوثيقة الميزانية التي هي تقدير تفصيلي للإيرادات والنفقات لفترة مقبلة هي سنة في المعتاد تم الترخيص بها من السلطة التشريعية .
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #20 في: وêسàاو 10, 2016, 10:00:41 »

( 2 ) علاقة المالية العامة بالعلوم الأخرى

سهى بطرس قوجا
لكون المالية العامة مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية في الدول المعاصرة التي تختص بدراسة نواحي السلوك الإنساني، فمن الطبيعي أن تنشأ لها علاقات مع مظاهر الحياة الاجتماعية الأخرى كالاقتصاد والسياسة والاجتماع والإحصاء والقانون والتاريخ وعلم الإدارة والمحاسبة وعلم الأخلاق. ويتطلب فهمها كعلم وبغية توضيح الروابط بين علم المالية والعلوم الأخرى سوف نتناول دراسة هذه الروابط بشيء من الإيجاز، كما وسبق في موضوع سابق تناول العناصر المؤلفة لها.
1 ــ المالية العامة والاقتصاد.
علاقة علم المالية بعلم الاقتصاد من العلاقات الوثيقة جداً، لكونه فرع من فروع علم الاقتصاد ولأنه كما هو معروف يتناول القوانين المتعلقة بالظواهر الاقتصادية، أي العلاقات الاجتماعية التي تأخذ من الإنتاج والتوزيع للسلع والخدمات التي تشبع حاجات الإنسان المتعددة. وجوهر النشاط الاقتصادي هو بذل العمل على استخدام الموارد الموضوعة تحت تصرف المجتمع من أجل إشباع الحاجات، فأن الإلمام بمبادئ الاقتصاد يعد شرطا أساسيا لتفهم موضوعات المالية العامة، من إنفاق حكومي وضرائب وقروض عامة والتي جميعها تعد أدوات مالية واقتصادية مجتمعة في آن واحد، تستخدمها الدولة في توجيه الاقتصاد للتأثير في مستوى الدخل القومي ومجرى النشاط الاقتصادي. كما إن القواعد العلمية المتعلقة بالمالية العامة تتناول النظام الخاص بالعلاقات المالية للدولة التي تنعكس بشكل فعلي في علاقات اقتصادية عينية.
2 ــ المالية العامة والعلوم السياسية.
يرى  Duvergerإن المالية العامة ما هي إلا فرع من فروع العلوم السياسية. كما وثق Dalton العلاقة بين المالية العامة والعلوم السياسية، حيث يقول أن المالية العامة تقع على الحد الذي يفصل بين السياسة والاقتصاد.  فالعلوم السياسية تهتم بدراسة نظام الحكم والعلاقات بين السلطات العامة فيما بينها من جهة وعلاقتها بالمواطنين من جهة أخرى، في حين تبحث المالية العامة في النفقات والإيرادات العامة في إطار هذه السلطات. فارتباطها بالمالية العامة ارتباطا قويا لأنه يتأثر بها ويؤثر فيه.
الأوضاع الدستورية والإدارية لها أثرها في مالية الدولة العامة، حيث تختلف النفقات والإيرادات العامة في إطار هذه السلطات وحسب ما إذا كانت الدولة "استبدادية أو ديمقراطية أو موحدة (بسيطة) كانت أو تعاقدية (مركبة)" أو تملك نظاما إداريا مركزيا أو لا مركزيا. للظروف المالية أثرا مهما في أوضاع الدولة السياسية واستقرارها. فكم من بلد فقد استقلاله وتعرض لنشوب الثورات والصراعات بسبب اضطراب في مالية وميزانية الدولة العامة.
وضع ميزانية الدولة يعد عملا سياسيا وجميع العمليات المالية ترد في وثائق إحصائية كبيرة، وهذه المعلومات تشكل معطيات ثمينة في سياسة أية حكومة، لان ما تدرجهُ في الميزانية يبين ما أنفقتهُ الدولة على أي نشاط تتدخل فيه، ومنها يتضح التفاوت في الإيرادات والنفقات، وما إذا كانت تميل إلى الإقلال أو الزيادة.
3 ـــ المالية العامة والقانون.
القانون هو الأداة التنظيمية التي يلجأ إليها المشرع لوضع القواعد العامة الملزمة في مختلف المجالات. ومنها المجال المالي. لذلك تأخذ جميع عناصر المالية العامة من: (نفقات، إيرادات، موازنة) شكل قواعد قانونية من: (دستور، قانون، نظام، تعليمات). ويطلق على هذه القواعد اسم التشريع المالي. وهو عبارة عن مجموعة قواعد قانونية تنظم شؤون الدولة المالية، وبخاصة دراسة ظواهر المالية العامة من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وتحديد العلاقات بين تلك الظواهر.
4 ــ المالية العامة وعلم الأخلاق.
الأخلاق هي مجموع القيم والمبادئ التي يؤمن بها الإنسان ويتعامل على ضوئها مع الآخرين. وكثير من الأمور التي تتضمنها السياسة العامة لها أحكام قيميه تمتد جذورها إلى ميادين الفلسفة والأخلاق. فالحّد من التفاوت في توزيع الدخول والثروات لابد لهُ من التعرض لأحكام استندت في مجموعها إلى مبادئ الأخلاق والفلسفة عامة.
5 ــ المالية العامة والمحاسبة.
كثير من موضوعات المالية العامة وخاصة الضرائب تتطلب الإلمام بأصول المحاسبة والمراجعة وفنونها من استهلاك وجرّد واحتياطات ومُخصصات وعمل الحسابات الختامية والميزانية العمومّية للمنشات التجارية والصناعية. وتعتبر المحاسبة القومية أداة أسياسية تستعين بها الحكومة في رسم سياستها المالية.
ويزداد الارتباط بين المالية العامة والمحاسبة كلما زاد دخل الدولة في الحياة الاقتصادية وشاركت في المشروعات الإنتاجية المختلفة مما يستدعي نشر ميزانيات تجارية لهذه المشروعات.
6 ــ المالية العامة وعلم الإدارة.
الترابط وثيق بينهما، ويتضح هذا الترابط من اهتمام الإدارة في بلورة الصيغ والأساليب العلمية التي تضمن إدارة أي مرفق من مرافق الحياة الاقتصادية المالية بغية تسهيل انجازات الفعاليات الاقتصادية والمالية بكفاءة لتحقيق الأهداف المرجّوة.
7 ــ المالية العامة والتاريخ.
التاريخ كما هو معروف حصيلة البشرية على مرّ العصور، وهو يزود الباحث بمعلومات تساعده على استخلاص النتائج الصحيحة وتفسير الكثير من الظواهر الاقتصادية والمالية المعاصرة على ضوء إطلاعه على تطور النظم الاقتصادية والمالية عبر مختلف العصور.
8 ــ المالية العامة وعلم الاجتماع.
العلاقة بين هذين العلمين يتضح في مجال الضرائب، لأنه يترتب على الأخيرة أثار اجتماعية إلى جانب أثارها المالية والاقتصادية تمس طوائف معينة من المواطنين. وقد أكد Myrdal الصّلة الوثيقة بين النظم المالية والعلوم الاجتماعية والسياسية. ويعتقد العلماء بأن المالية والاقتصاد والأخلاق والمعتقدات وغيرها من أنواع السلوك الاجتماعي ظواهر مترابطة ومتداخلة والتأثير بينها متبادل. وان دراستها بشكل منفصل يؤدي إلى نتائج ناقصة. فتوزيع الدخل بين فئات المجتمع وفرض الضرائب أمثلة حية للعلاقة بين علم المالية والظواهر الاجتماعية كافة.
9 ــ المالية العامة والإحصاء.
المالية العامة تستعين بعلم الإحصاء لما يقدمه من بيانات وأرقام لمعرفة حجم الدخل القومي وتوزيع الثروة بين فئات المجتمع وعدد السكان ودخولهم وتوزيعهم على الحرف المختلفة وتوزيعهم في المناطق الجغرافية وحالة ميزان المدفوعات ومقدار الضرائب والرسوم وغيرها من البيانات الإحصائية التي لها أهميتها عند وضع ميزانية ورسم السياسة الاتفاقية التي تستخدمها الدولة لزيادة الدخل القومي أو أعادة توزيعه.
يتضح مما سبق ذكره أن للمالية العامة دور هام في حياة الدولة، فإذا أحسنت الدولة التصرف في ماليتها من خلال موازنة نفقاتها وإيراداتها، فذلك حتمًا سيؤدي إلى تجنب الوقوع في أزمات مالية ويغنيها عن اقتصاد مُضطرب يهزُّ مركزها كدولة تسير وفقًا لسياسة مُتراصة وواضحة لتكون لها قاعدة سليمة وقوية لرسم تشريع مالي للبلد يحافظ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ككُل .
سجل
bersiveyaus
المدير العام
عضو مميز جدا
*
غير متصل غير متصل

رسائل: 931


bersiveyaus@hotmail.com bersiveyaus@yahoo.com
WWW البريد
« رد #21 في: وêسàاو 10, 2016, 10:42:42 »

حالة الضرورة في القانون


سهى بطرس قوجا
حالة الضرورة من أكثر الموضوعات اثارة  وتعقيدا في القانون. هي نظرية شاملة شملت جميع فروع القانون ، حيث لعبت  دورا بارزا في القانون المدني والقانون الجنائي والقانون الإداري.
حالة الضرورة هي الحالة التي يجد فيها الإنسان نفسهُ في ظرف أو موقف يهدده بخطر ما ، لا يمكن تلافيهِ أو الخلاص منهُ ألا بارتكاب جريمة، وتسمى الجريمة عندئذ بــ (جريمة الضرورة  Delit Necessaire). وهي حالة لا تنعدم فيها الإرادة كليا وإنما يضيق فيها مجال الاختيار وقتها إلى أدنى حد بحيث تميز بين شران: أما الهلاك أو الإصابة بضرر جسيم وأما مخالفة القانون وارتكاب جريمة. وقد تكلم قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، عن حالة الضرورة في المادة 63 منه قائلا:" لا يسأل جزائيًا من ارتكب جريمة ألجأته إليها ضرورة وقاية نفسه أو غيره أو ماله أو مال غيره من خطر جسيم محدق لم يتسبب هو فيه عمداً ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة أخرى، وبشرط أن يكون الفعل المكون للجريمة متناسبًا والخطر المراد اتقاؤه، ولا يعتبر في حالة الضرورة من اوجب القانون عليه مواجهة ذلك الخطر".
والأمثلة كثيرة على حالة الضرورة منها: حالة راكب من ركاب السفينة الغارقة، نجّا وهو مُتشبث ومُمسك بقطعة خشب طافية في البحر لا تسمح ألا بحملهِ، وأبعد شخصاً آخر أراد أن يتشبث بها فأدى ذلك إلى وفاتهِ. وقد تتسع حالة الضرورة لصور لا يتحقق فيها الحرج أو التأثير في إرادة الشخص، وذلك فيما لو كان الخطر غير محدق بالشخص نفسه أو من يهمه أمرهم، كمثل حالة طبيب الذي يقضي على حياة جنين في ولادة عسيرة لإنقاذ حياة الأم. وطالب الطب في قرية ليس بها أطباء يقوم بإجراء عملية جراحية عاجلة لإنقاذ حياة مريض.....الخ. والواقع أن الشخص في الأمثلة المذكورة لم يتصرف تحت تأثير ضغط مُعين على إرادتهِ وإنما على أساس تغليب مصلحة على مصلحة أخرى.
والغالب في حالة الضرورة أنها ليست من عمل الإنسان فقط، وإنما هي وليدة قوى الطبيعة كالحروب والكوارث الطبيعية التي هي ظروف اضطرارية واستثنائية، ويتعين على من يهدده الخطر أن يتصور الوسيلة إلى تفاديه مستوحيا من الظروف المحيطة به.
الأوضاع التطبيقية لحالة الضرورة:
تاريخ البشرية حمل للإنسان عبر مختلف عصوره صدى وأنين المآسي والويلات والكوارث التي حملت بين ثناياها الكثير والكثير من الألم والحرمان والجوع والفقر  للإنسان. سنين مضت وسنين نعيشها وسنين قادمة والإنسان ما زال يتذوق من مرارتها سواء كان مصدرها قوى الطبيعة من زلازل وبراكين وفيضانات، أو كان مصدرها الإنسان نفسه وما يقوم ويخط به من حروب وفتن وانقسامات! هكذا كان حال البشرية وما يزال باختلاف أشكاله طالما الأفعال قائمة وشبح الموت يخيم بضلاله على الحياة والوجود. وهذه بعض من الأحداث التي حدثت قديما وتبرر حالة الضرورة فيها:ــ
1 ـــ  القاطرة البحرية الفرنسية الامادوز:
بتاريخ 2/7/1816 كانت القاطرة البحرية العسكرية الفرنسية تنقل على متنها أكثر من 400 جندي وبحار، عندما جنحت وغرقت في عرض البحر، ولم تتمكن قوارب النجاة القليلة من إنقاذ سوى عدد ضئيل من الركاب، فقام الباقون بتصنيع من أخشاب الباخرة لوحة عائمة كبيرة اعتلاها حوالي مائة وخمسون شخصاً في غياهب الأوقيانوس دون طعام أو ماء تحت أشعة الشمس الحارقة، فدبّت المجاعة الجماعية في هذه القافلة البشرية ، فأخذ الناجون يتآكلون لدرجة أنه عندما تم العثور على اللوحة وانتشال من تبقى من الأشخاص على قيد الحياة والذين  لم يتجاوز عددهم 15 فردا، واعترفوا هؤلاء أمام لجنة التحقيق العسكرية بإقدامهم على افتراس بعض قطع من أجساد رفاقهم وهم أحياء فلم يقدم أحد منهم إلى المحاكمة، بل حفظت القضية بحقهم دون متابعتها لعلة حالة الضرورة.
2 ـــ  حالة حادثة اليخت الانكليزي Lamignonette :
في عام 1884 غرق اليخت البريطاني الضخم، فنجا من ركابهِ على زورق صغير ثلاثة رجال وملاح حدث. وبعد أن تاهوا في البحر لمدة ثمانية أيام، نفذ الطعام والشراب، فقام الرجال الثلاثة بالإقدام على قتل البحار الحدث وقتلهِ وتقطيعه إلى قطع وأكله. وصدف أن أنقذتهم باخرة حربية بعد 4 أيام من ذلك.
3 ـــ  حالة الباخرة الشهيرة تايتنك Titanic
هذه الباخرة غرقت في عرض الأقيانوس نتيجة اصطدامها بجبل ثلجي عائم ليل 15/4/1912 بينما كان ركابها يقيمون حفلة دينية على متنها، وقد هلك في هذا الحادث أكثر من ألف وخمسمائة شخصاً بسبب تهافتهم واندفاعهم دون تنظيم على إنزال قوارب النجاة والاقتتال في سبيل الاستئثار بها، وقذف بعضهم بعضاً إلى عرض البحر، ولم ينقذ منهم نتيجةٍ لذلك، سوى العدد الضئيل من المسافرين الذين كانوا من جميع الجنسيات العالمية بسبب دعوة رسمية.
4 ـــ  القضية المعروفة La femme Menard
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر شغلت الأوساط الحقوقية هذه القضية عندما أقدمت هذه المرأة على سرقة كمية من الخبز ليلاً من فرن مُجاور لمنزلها تكفي لإعالة أولادها الذين نال منهم الجوع، وقد أصدر أحد القضاة المغمورين الشهرة آنذاك المدعو "ماجن أند" حكماً بإعلان براءة المدعى عليها مما أسند إليها، وقد أثارت هذه القضية عاصفة من العطف الشعبي على القاضي المُذكور الذي لقب بالقاضي الطيب. وقد صدق هذا القرار استئنافاً من قبل المحكمة العليا.
هذا كان شرح مبسط ومختصر لحالة أصبحت في الوقت الحاضر جزءاً لا يتجزأ من النظام القانوني لأي دولة ديمقراطية، لأنهُ بغير أعمال نظرية الضرورة سيكون من السهل تصور انهيار الأنظمة القانونية لأي دولة. فحالة الضرورة حالة ارتبطت بوجود الإنسان، وقد أخذت بها مُختلف التشريعات الحديثة، ولها أهميتها البالغة في كل أطوار الحياة الإنسانية ولها قيمتها كحالة وجدت لتبرير مواقف حدثت اضطراريا . وبالرغم من أهميتها لكن من جانب آخر لا يجب الإغفال عنها بل التشديد في تطبيقها لأنها قد تكون ملاذا للمجرمين للتخلص من العقاب من خلال أثبات أدعيتها وحالة تحققها
سجل
Faisa_Soulaka
عضو مميز
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 352



البريد
« رد #22 في: آب 24, 2016, 12:46:18 »

رواية خلق العالم (1)

 سهى بطرس قوجا
رواية خلق العالم كما جاءت في الإصحاح الأول من الكتاب المقدس/ العهد القديم ( التكوين 1: 1 – 31)، تتمحور حول عمل الله على هذه الأرض التي كانت خاوية وخالية ولا حياة فيها، عمل الله فيها وجعل فيها حياة لتكون حياة لحياة أخرى مستمرة تستمد حيويتها منها. في البدء كما في بداية كل شيءٍ لا يكون ليكون فيما بعد في هذا الوجود، عمل الله عملهُ خلال أسبوع ( ستة أيام فعل واليوم السابع والأخير كان راحتهِ)، كما هو على لسان قائلهِ:
"في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله يرفُ على وجه المياه"، وقال الله: 
اليوم الأول: قال الله:" ليكنْ نور، فكان نور"، خلق الله نور وفصل النور عن الظلمة وسماه ( الليل والنهار).
اليوم الثاني: قال الله:" ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلا بين مياه ومياه"، خلق الله الجلد ليفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد وسماه ( السماء).
اليوم الثالث: قال الله:" لتتجمع المياه التي تحت السماء في مكان واحدٍ وليظهر اليبس"، وسماه (الأرض) و (البحر)، وأيضا جعل الله الأرض تنتج عشبًا وأشجار مع ما تنتجه من ثمار.
اليوم الرابع: قال الله:" لتكن نيرات في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل ....."، خلق الله النور وجعل الشمس والقمر في السماء لتفصل النور عن الظلام وتكون علامات للأيام والفصول والسنين.
اليوم الخامس: وقال الله:" لتعج المياه عجًا من ذوات أنفس حيةٍ ولتكن طيور تطير فوق الأرض على وجه جلد السماء"، أراد الله في هذا اليوم أن تفيض البحار بأنفس حية، وكذلك السماء وباركها لكي تتكاثر.
اليوم السادس: وقال الله:" لتخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها ...."، خلق الله الحيوانات البرية ثم خلق الإنسان ذكرًا وأنثى على صورتهِ وباركهم وقال لهم:" أنموا وأكثروا واملاوا الأرض وأخضعوها ....". 
اليوم السابع: بعد أن أكمل الله عملهِ من خلق الكون استراح في هذا اليوم وباركهُ وقدسهُ.
تلك كانت نشأة الكون، خلق الله الكون وما فيه من أجل هذا الإنسان الذي خلقهُ على صورته ومثالهِ وكان آخر ما عمله ليكون كل شيءٍ به ولهُ، خلق ثم بارك كل شيءٍ لكي ندرك أن الربّ قدوس ومبارك. هذه القصة برمتها بتصوري هي البحث عن مصدر الحياة من خلال هذا الكون نفسهِ وما فيهِ، شيءٍ مُترابط بالآخر ومُستمد ويستمد البعض للبعض. نبات يعيش على ما موجود على الأرض من ماء وهواء ونور وحيوان وبالمقابل حيوان يعيش كذلك على النبات، وإنسان يكون عليهما معًا ليعيش ويقتات منهما ويستضيء ويعمل وتكون تحت يده جميعها. ونرى في عمل الله في الستة أيام يذكر جملة (وكان مساء وكان صباح)، ربما هو دلالة على أن الكون مُشترك بعملين في فعل واحدٍ: الأرض والسماء، الشمس والقمر، الليل والنهار، الحيوانات البحرية والحيوانات البرية، الذكر والأنثى وهذا الأخير هو أساس الحياة بأكملها.   
هذه القصة كانت من أجل البحث عن حقيقة هذا الكون وتفسير لكل ما موجود فيه ومن أجل الإيمان، الإنسان لم يكن شاهدًا حينما فعل الله كل هذا، ولكن هو يبحث عن الحقيقة في حقيقتهِ على هذه الأرض والتي هي من حقيقة وجود الله، وبأنهُ ما كان ألا ليكون من أجل كل شيء فيها. وأكيد هي ليست محددة ضمن هذه الحدود بل مهما تعمقنا فيها فلا نصل إلى مكنونها كما كانت منذ الأزل.   
 
سجل
Faisa_Soulaka
عضو مميز
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 352



البريد
« رد #23 في: آب 24, 2016, 12:47:37 »

هل خلق الإنسان مُتشيئًا؟


سهى بطرس قوجا
 
الإنسان المتشيء هو الإنسان المتعلق بالأشياء المادية أكثر من المعنوية والروحية والإنسانية تعلقا شديدا، بحيث تجعله ينظر للإنسان على أنه شيء كباقي الأشياء!
كلما عشنا وتعمقنا في الحياة وفي النفس الإنسانية أكثر، اكتشفنا وعرفنا الكثير، بحيث نستطيع أن نقول بأن هذا الإنسان ما هو ألا سجين تلك النفس التي تتمرد وتتملك وتغيب وتغترب وتنطوي أحيانًا، جاعلة ذاك الإنسان غريب ذاته وتائه عنها.
والإنسان هذا الكائن بطبيعتهِ يمتلك بعض الحلم والخيال والازدواج في شخصيتهِ، فكرهِ، مشاعرهِ، رغباتهِ، حياتهِ، بحيث تجعلهُ يبتعد عن واقعهِ إلى تلك الأشياء ساعيًا إليها وباحثًا عنها دون أي اعتبارات أخرى! لكن الأسوأ من هذا حين يجعل علاقاتهِ الإنسانية كالعلاقة بين الأشياء ومن ثم يعامل هذا الإنسان كتلك الأشياء، علاقة جامدة بلا روح وبلا حياة، بعكس الإنسان الذي وجودهُ مُتحرك ونابض بالحياة، ووجودهُ في هذا الوجود هو من أجل الحياة والإنسانية.
 
هذه العلاقة الجامدة تأتي من انحصار الذات الإنسانية ضمن عالم الأشياء الخاص ومصالحهِ الذاتية، مما بالتالي يجعلها تنحصر في الفكر ومن ثم ينظرون للناس من خلال تلك النظرة للأشياء! نظرة غير مُترابطة ومُتكاملة، والإنسان في هذه الحالة يعيش في حالة الانعزال والانفصال عن النفس مع الترابط بالأشياء والخضوع لها!
 
لا ننسىّ بأن هذا الجموّد، الإنسان يصل إليهِ أحيانًا، من خلال سلسلة ضغوط داخلية مُتولدة فيهِ، تدفعهُ إلى الخروج عن ذاتهِ والسُكنى في الأشياء والخضوع لها، كالعوز والفقر وفقدان التواصل الداخلي! هذه تجعل الإنسان يهرب من ذاته وينساها ويلتفت ويلهثْ سعيًا للماديات سعيًا مُتكاملاً وغير مكتفيا، مما يجعله يكسب ذاتًا غير ذاته الحقيقية! يضيعها ويعيش مع الذات المزيفة المحصورة ضمن دائرتها المغلقة والمتعلقة بالأشياء!
يقول الحكيم (تشوانغ- تسي):" ليكف الإنسان عن التعلق بالأشياء، وسيرى كيف سيجد نفسهُ في مأمن". هذا إذا اقتنع فعلا وكفى، ولكن من يُطبق هذا في يومنا؟! الأشياء في حياة الإنسان باتت تأخذ مداها وأحيانا كثيرة هي من تسيره، تسيطر عليه وتجعله كخادم لها بدل أن تخدمه؟!
والإنسان نفسهُ هو من يجعل الحياة تصل به إلى هذه النتائج، عندما يسمح لنفسهُ بأن تغرق في كل ما هو جزئي ومنفصل عن الحياة والإنسانية، وهنا قمة المأساة والضياع! ومن ثم يقول أن الحياة حظ وحظيّ سيء ويتقوقع ويتخفى في الرمال كالنعام، مفسحين المجال بهذا لذلك الفكر أن يأخذ طريقهُ في الحياة ويتوسع ويتمدد ومن ثم تتحول نفس الإنسان إلى مهرج بارع في مسرح الحياة.
لكن لكيّ نحّيا الحياة الحقه بمعناها الساميّ ونعيش للإنسان من أجل إنسانيتهِ، وننظر إليهِ على هذا الأساس، فلابد من أن نعيد الذات إلى مسكنها ونجعلها نفسًا أمارة بالخير وليس بالسوء، لأن هذا سيعكس على النفس ومن ثم على الآخرين وسينظر لهم على أساس إنسانيتهم وليس كالنظرة للأشياء الفانية. أي بمعنى الخروج من الانحسار في الذوات الخاصة الآسرة إلى العالم العام المُحصن بالأخلاق والعقل والفكر والحكمة والجمال.
فالإنسان خلق محبا وبعيد كل البعد عن السطحية والتعلق بالأشياء، لأن مصير الأشياء إلى الزوال والضياع، ولكن النفس إذا ضاعت ستعيش الغربة والألم والانكسار والانفصال وفقدان الطريق، مما يجعل الإنسان يعيش التخبط والأوهام والتزييف، وهنا مكمن الخطورة لأنهُ هنا سيجعل تشيؤه ليس على نفسه فقط بل سيجر الآخرين إلى هذا الدرب!
فلابد للإنسان دائما من وضع مسافة بينه وبين أشياء العالم، من منطلق القناعة والإرادة وبفعلته هذه يثبت في كل لحظة أنه جدير بهذه الإنسانية وأنه فعلاً إنسان.
 
من كتاب / شذرات من الحياة 2012
سجل
Faisa_Soulaka
عضو مميز
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 352



البريد
« رد #24 في: آب 24, 2016, 12:48:54 »

مأزق التناقض

سهى بطرس قوجا
دائما لنا وقفات في كل محطة من محطات الحياة، نقف فيها لنتذكر ونستذكر ما مرّ فيها وما لحق بها ، هي وقفات نكون فيها من أجل وداع ما خدش الروح ومن أجل استقبال ما يستعيد الروح عافيته ويرممه. والإنسان دوما بحاجة إلى هذه الوقفات بين الحين والاخر، وقفات تفيقه من عبث ما يصدمه، إفاقة تكون حافزا له من أجل التجديد والاستمرار وعيش الحياة كما هي بصورتها الطبيعية الجميلة. وهذا بالتأكيد لن يكون ألا حينما الإنسان نفسه تولد في داخل نفسه الرغبة والقناعة بصنع الشيء وولادته.
أراد أن يكتب قصة نادرة لمسيرة حياته ولكن هذه الندّرة أوقعته في خطأ ومأزق! عاش التحرر ولكن فقط في حدود ذاته ولم يفكر بالمقابل وبأنه كيان مثله وبحاجة إلى مساحة من الحرية، أباح لنفسه وحرم لنفس غيره، أراد التحرر من برمجة المجتمع وإيقاعاته ويحصر غيره فيه، وهنا كانت المفارقة والصدمة حينما أراد العيش بين قضبان فكره! لم يصل مسامعه غير ايقاعات المجتمع المرتفعة والفارغة والتي تكون فيها الوصاية مقيدة بشدة، متناسيا أن تلك الشدة سوف تطاله وتعيشه في إرتباك مع مرور الزمن به حينما يمارسها على غيره.
أنني أتحدث عن إنسان حينما يحاول أن يهمش الآخر مثيله مهما اختلفت صفته بالنسبة إليه، محاولا أن يعيشه في تراكمات نفسه المريضة، جاعلا نفسه واعظا وصاحب قضية وكاملا وهو ما زال لم يتعدى محدودية بيئته! مسكين هو من يتمركز عند نقطة يصم فيها أذانه عما حوله ... أنه إنسان مسلوب الإرادة من قبل نفسه يحاول الصعود رغما عن ذاته  ... أنه إنسان كالقشة في مهبات الريح يحاول التمسك للبقاء على حساب ضياع غيره.
مع الاسف كثيرون في الحياة ليس لهم إدراك لمعنى حياتهم ومن أجل ماذا وجدت الحياة أو من أجل ماذا وجدوا فيها؟! أن سألت أحدهم عن هذا فلن يتمكن من إعطائك أية نتيجة، كونهم لا يصدعون رؤوسهم بمثل هكذا تساؤلات!
كثيرون يعيشون على الهوامش بسبب ضيق فكرهم ومحدوديته .
 كثيرون يتسرعون ولا يسرعون في الطموح والهدف .
 كثيرون يعيشون الازدواجية والخصومة .
كثيرون يشكلون معادلة خاصة بهم تختلف عن معادلات الافراد الآخرين.
كثيرون يتمادون في الإساءة والافتراضية .
كثيرون يمارسون العبور والفرض .
كثيرون يسعدون بتعاسة الآخرين وعجزهم .
هؤلاء الكثيرون يسعون من أجل إيقاع الأكثرية في ظلام نفسهم .... من أجل ماذا ... لا نعلم؟! وبسبب ذلك نجد لوحة الحياة قد اصطبغت بلون افقدها معناها وجماليتها! حركاتهم  .. تعبيراتهم  .. آدابهم  .. عاداتهم .. ممارساتهم .. أساليبهم .. تعتمد على معنى محدد للحياة، معنى فريد صادر من حكم نفس وعقل منفرد.
للكون قصة وللحياة قصة وللإنسان كذلك قصة يبدأها حينما يولد وتنهيها الحياة حينما تريد، لذلك يجب على كل واحد أن يضع هذا أمام عينيه حتى حينما تكتمل عنه لا يكون قد ترك في نفس أحد عتبًا من ناحيته. فالحياة أقصر مما تتصور، تدركك وأنت لا تعلم متى؟! لكل إنسان موسم يغادر فيه إلى المجهول ، إلى باطن الأرض، لذلك كن فيها كالزهر الذي يفوح عطره في الارجاء ويشمه كل من يتنفس عبق الحياة من أجل أن يستمد المعنى الجميل للحياة ويعيش البقاء من أجل استمرار بقاء الآخر.
سجل
Faisa_Soulaka
عضو مميز
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 352



البريد
« رد #25 في: آب 24, 2016, 12:51:04 »

حالة الضرورة في القانون


حالة الضرورة من أكثر الموضوعات اثارة  وتعقيدا في القانون. هي نظرية شاملة شملت جميع فروع القانون ، حيث لعبت  دورا بارزا في القانون المدني والقانون الجنائي والقانون الإداري.
حالة الضرورة هي الحالة التي يجد فيها الإنسان نفسهُ في ظرف أو موقف يهدده بخطر ما ، لا يمكن تلافيهِ أو الخلاص منهُ ألا بارتكاب جريمة، وتسمى الجريمة عندئذ بــ (جريمة الضرورة  Delit Necessaire). وهي حالة لا تنعدم فيها الإرادة كليا وإنما يضيق فيها مجال الاختيار وقتها إلى أدنى حد بحيث تميز بين شران: أما الهلاك أو الإصابة بضرر جسيم وأما مخالفة القانون وارتكاب جريمة. وقد تكلم قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، عن حالة الضرورة في المادة 63 منه قائلا:" لا يسأل جزائيًا من ارتكب جريمة ألجأته إليها ضرورة وقاية نفسه أو غيره أو ماله أو مال غيره من خطر جسيم محدق لم يتسبب هو فيه عمداً ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة أخرى، وبشرط أن يكون الفعل المكون للجريمة متناسبًا والخطر المراد اتقاؤه، ولا يعتبر في حالة الضرورة من اوجب القانون عليه مواجهة ذلك الخطر".
والأمثلة كثيرة على حالة الضرورة منها: حالة راكب من ركاب السفينة الغارقة، نجّا وهو مُتشبث ومُمسك بقطعة خشب طافية في البحر لا تسمح ألا بحملهِ، وأبعد شخصاً آخر أراد أن يتشبث بها فأدى ذلك إلى وفاتهِ. وقد تتسع حالة الضرورة لصور لا يتحقق فيها الحرج أو التأثير في إرادة الشخص، وذلك فيما لو كان الخطر غير محدق بالشخص نفسه أو من يهمه أمرهم، كمثل حالة طبيب الذي يقضي على حياة جنين في ولادة عسيرة لإنقاذ حياة الأم. وطالب الطب في قرية ليس بها أطباء يقوم بإجراء عملية جراحية عاجلة لإنقاذ حياة مريض.....الخ. والواقع أن الشخص في الأمثلة المذكورة لم يتصرف تحت تأثير ضغط مُعين على إرادتهِ وإنما على أساس تغليب مصلحة على مصلحة أخرى.
والغالب في حالة الضرورة أنها ليست من عمل الإنسان فقط، وإنما هي وليدة قوى الطبيعة كالحروب والكوارث الطبيعية التي هي ظروف اضطرارية واستثنائية، ويتعين على من يهدده الخطر أن يتصور الوسيلة إلى تفاديه مستوحيا من الظروف المحيطة به.
الأوضاع التطبيقية لحالة الضرورة:
تاريخ البشرية حمل للإنسان عبر مختلف عصوره صدى وأنين المآسي والويلات والكوارث التي حملت بين ثناياها الكثير والكثير من الألم والحرمان والجوع والفقر  للإنسان. سنين مضت وسنين نعيشها وسنين قادمة والإنسان ما زال يتذوق من مرارتها سواء كان مصدرها قوى الطبيعة من زلازل وبراكين وفيضانات، أو كان مصدرها الإنسان نفسه وما يقوم ويخط به من حروب وفتن وانقسامات! هكذا كان حال البشرية وما يزال باختلاف أشكاله طالما الأفعال قائمة وشبح الموت يخيم بضلاله على الحياة والوجود. وهذه بعض من الأحداث التي حدثت قديما وتبرر حالة الضرورة فيها:ــ
1 ـــ  القاطرة البحرية الفرنسية الامادوز:
بتاريخ 2/7/1816 كانت القاطرة البحرية العسكرية الفرنسية تنقل على متنها أكثر من 400 جندي وبحار، عندما جنحت وغرقت في عرض البحر، ولم تتمكن قوارب النجاة القليلة من إنقاذ سوى عدد ضئيل من الركاب، فقام الباقون بتصنيع من أخشاب الباخرة لوحة عائمة كبيرة اعتلاها حوالي مائة وخمسون شخصاً في غياهب الأوقيانوس دون طعام أو ماء تحت أشعة الشمس الحارقة، فدبّت المجاعة الجماعية في هذه القافلة البشرية ، فأخذ الناجون يتآكلون لدرجة أنه عندما تم العثور على اللوحة وانتشال من تبقى من الأشخاص على قيد الحياة والذين  لم يتجاوز عددهم 15 فردا، واعترفوا هؤلاء أمام لجنة التحقيق العسكرية بإقدامهم على افتراس بعض قطع من أجساد رفاقهم وهم أحياء فلم يقدم أحد منهم إلى المحاكمة، بل حفظت القضية بحقهم دون متابعتها لعلة حالة الضرورة.
2 ـــ  حالة حادثة اليخت الانكليزي Lamignonette :
في عام 1884 غرق اليخت البريطاني الضخم، فنجا من ركابهِ على زورق صغير ثلاثة رجال وملاح حدث. وبعد أن تاهوا في البحر لمدة ثمانية أيام، نفذ الطعام والشراب، فقام الرجال الثلاثة بالإقدام على قتل البحار الحدث وقتلهِ وتقطيعه إلى قطع وأكله. وصدف أن أنقذتهم باخرة حربية بعد 4 أيام من ذلك.
3 ـــ  حالة الباخرة الشهيرة تايتنك Titanic
هذه الباخرة غرقت في عرض الأقيانوس نتيجة اصطدامها بجبل ثلجي عائم ليل 15/4/1912 بينما كان ركابها يقيمون حفلة دينية على متنها، وقد هلك في هذا الحادث أكثر من ألف وخمسمائة شخصاً بسبب تهافتهم واندفاعهم دون تنظيم على إنزال قوارب النجاة والاقتتال في سبيل الاستئثار بها، وقذف بعضهم بعضاً إلى عرض البحر، ولم ينقذ منهم نتيجةٍ لذلك، سوى العدد الضئيل من المسافرين الذين كانوا من جميع الجنسيات العالمية بسبب دعوة رسمية.
4 ـــ  القضية المعروفة La femme Menard
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر شغلت الأوساط الحقوقية هذه القضية عندما أقدمت هذه المرأة على سرقة كمية من الخبز ليلاً من فرن مُجاور لمنزلها تكفي لإعالة أولادها الذين نال منهم الجوع، وقد أصدر أحد القضاة المغمورين الشهرة آنذاك المدعو "ماجن أند" حكماً بإعلان براءة المدعى عليها مما أسند إليها، وقد أثارت هذه القضية عاصفة من العطف الشعبي على القاضي المُذكور الذي لقب بالقاضي الطيب. وقد صدق هذا القرار استئنافاً من قبل المحكمة العليا.
هذا كان شرح مبسط ومختصر لحالة أصبحت في الوقت الحاضر جزءاً لا يتجزأ من النظام القانوني لأي دولة ديمقراطية، لأنهُ بغير أعمال نظرية الضرورة سيكون من السهل تصور انهيار الأنظمة القانونية لأي دولة. فحالة الضرورة حالة ارتبطت بوجود الإنسان، وقد أخذت بها مُختلف التشريعات الحديثة، ولها أهميتها البالغة في كل أطوار الحياة الإنسانية ولها قيمتها كحالة وجدت لتبرير مواقف حدثت اضطراريا . وبالرغم من أهميتها لكن من جانب آخر لا يجب الإغفال عنها بل التشديد في تطبيقها لأنها قد تكون ملاذا للمجرمين للتخلص من العقاب من خلال أثبات أدعيتها وحالة تحققها.
سجل
Faisa_Soulaka
عضو مميز
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 352



البريد
« رد #26 في: آب 24, 2016, 12:52:56 »

النحت البطيء



سهى بطرس قوجا
حينما نكون بصدد الحياة، لابدّ أن نعرف ونتعمق في معناها، واقعها، إنسانها، في ذواتنا، في كل ما هو موجود، لنثبت معناها ونعرف كيف نعيشها وليس لمجرد العيش فيها. والحياة طبعا هي: قيمة، مكنون، تواجد، سمو الذات بالآخر ومن أجل الآخر وليس فقط تحقيق ذات لذات، لكن في أحيانًا كثيرة لا نستطيع أن نعيش هذه الحياة بانسجام مطلق مع الذات ومع الغير، كون الحياة بحر متلاطم الأمواج، يتقاذفنا وقت ما يشاء!
نحن البشر ندرك أن واقع الحياة فيه فنون وألوان، منها ما يسعدنا ومنها ما يحزننا ومنها ما يحيرنا ومنها ما يصدمنا خلال رحلتنا فيها! ولكننا مجبرون على عيشها والتأقلم معها في كل حالاتها حتى نشارف على الرحيل، لأننا موجودين فيها. وما بين بداية طرقات تلك الرحلة وحتى نهايتها نصادف الكثير ونقبل على المجهول لمعرفته، ونتمسك بالكثير من القيم ونستسلم للكثير من الوقائع، عندها إما أن نواصل العيش أو نتقوقع على الذات!
هنا ما يدور في فكري هو أن هنالك البعض من الأشخاص حينما تقابلهم مواقف صادمة ومؤلمة، منهم من يجتازه ومنهم من يمكث فيه كونها خارج قدرته مما يضطره إلى أن يبقيه في دواخله (يكتمه) لنقول كنوع من الصدمة والتمرد على حالة لا يتقبلها أو غير راضي عنها أو لا يريد الحديث عنها وفيها، ... فهل الكتمان حالة سلبية أم إيجابية، وما هي النتائج المترتبة عليها وتداعياتها؟!
بالتأكيد الكتمان حالة نفسية سلبية، كون الظروف والمواقف الكثيرة في حياة الأشخاص تضطرهم في نقطة ما للتوقف قد تكون بإرادتهم أو بدونها، لأن الحالة الواقعة والمعاشة هي من تكون الفاصلة وهي من تحدد التوقف أو تكملة المسير! والإنسان بطبيعته ليس مجرد عقل يفكر وإرادة تعمل بل الإنسان قلب يخفق وإحساس ينبض. كما أن الحياة تجارب تعاش ودروس تعلم ولابد من التجاوب معها بكل حالاتها لكي تستمر.
لكن هنالك من لا يستطيع التحكم بذاته وإخراجها من تقوقعها ليس ضعفا وإنما تكون فوق طاقته وتحمله، فيعيش الاستسلام وظلمة نفسية ووحدانية الشعور، يستسلم لأفكاره المحصورة في تلك الحالة، بمعنى يعيشها منها وإليها وفيها بدون أن يضعها في دروب الحياة لتتواصل ..  كاتما .. متألما .. متناسيا .. متقوقعا .. حتى أنه لا يحاور ذاته بذاته، يجعلها صامتة صمتا حجريا!   
الكتمان يكون مطلوبا في بعض المواقف والحالات التي الكلام فيها ممكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية أو الكتمان فيها يكون أحيانًا الحل الوحيد عندما المقابل لا يستوعب ويفهم الموقف، ولكن ليس كتمانا أبديا ينحت في داخلك ويرسم ملامحهُ على تقاسيم وجهك ويجعلك تنسى الحياة بكل جماليتها ويحجب عنك روعتها. ولو كل إنسان جعل من نفسه أسير نفسه أو ماضيه إلى حد لا يتصوره لكانت الحياة هي اليأس بذاتها! واليأس ما هو إلا عبودية وظلمات داخلية! والإنسان يعيش في حاضره للمستقبل وليس في الحاضر لأحياء ماضيا ذهب! فلا تجعل الماضي وأمور تافهة من نفوس أتفه تعيقك عن لحظتك وتلهيك عن كل ما سيتحقق في مستقبلك في حالة انفكاكك عن ذاك السجن المظلم.   
فالكتمان له أثاره السلبية على الحالة النفسية واستمراره يتولد نتائج عكسية، وبالحقيقة ما هو إلا هروب من الذات نفسها، لا يريد أن يواجهها ويوجهها إلى طريق الصواب، خوفا من أن تؤلمه مما فيها وتذكره بما لا يريد أن يذكره! لابد من الرجوع للنفس والتغلغل فيها ومواجهتها للنصر على كل ما يؤرقها، بدلاً من جعل الكتمان سلسلة ضيقة حول الرقبة تخنق النفس مع الأيام.   
أخرج من الدائرة المغلقة التي وضعت نفسك بها لتنطلق للحياة، حاور ذاتك في جلسة أنت تقررها معها على شاطئ بحر ساعة غروب الشمس، أو بالقرب من هدير موج متناغما في جوا عذبا تستمتع بنغماته التي تجد طريقها إلى داخلك.
ويبقى  أن نقول أن البشر في النهاية مثل الأزهار في حديقة، مختلفين بالأنواع والألوان والأشكال لكن كل واحد يمتلك رائحته العطرة التي تميزه عن الآخر. بشر مختلفين في المضمون والقالب ولكن يلتقون في إنسانيتهم، هذا إذا عرفوا كيف يعيشون الحياة بإنسانيتهم ويفيدون الآخرين، فعش الحياة بجماليتها حتى تشعر بمعناها
سجل
صفحات: [1]
  طباعة  
 
انتقل إلى:  

مدعوم بواسطة MySQL مدعوم بواسطة PHP Powered by SMF 1.1.21 | SMF © 2006-2008, Simple Machines XHTML 1.0 صالح! CSS صالح!
 
| الرئيسية | المنتديات | اخبار | فيديو | مناسبات | شكر وتهاني | طب | رفع ملفات | صوتيات | الصور | من نحن | إتصل بنا |
© 2009-2015 Bersiveyaus.com جميع الحقوق محفوظة لموقع